';

أم أمجد تطعم أهل لواء بصيرة من خبز الشراك الذي تصنعه بأيديها

بانوراما

ترحب أم أمجد، كل صباح، بالجارات والأقارب في إحدى الغرف من بيتها المتواضع في غرندل بصيرا.  تخيلوا قرية فقيرة في جنوب الأردن، حيث البيوت الصفراء الحجرية تقبع على شارع ملتوي بيت التلال.  أم أمجد تعيش في أحد هذه البيوت على أحد هذه الشوارع.  في الداخل، تمزج أم أمجد الطحين والماء  والخميرة مع القمح البلدي، وتعجن الخليط بأيديها التي أكل الدهر منها ما أكل، لتحولها إلى دوائر.  تجلس متربعة الأرجل على فرشة خفيفة، ويجلس أمامها الصاج، حيث تحدق فيها النار.

عندما تهب الرياح الجنوبية من التلال، حاملة رائحة خبز أم أمجد إلى شبابيك الجيران، تلبي الجارات الدعوة.  في الأيام البطيئة، تجلس الجارات لتبادل أطراف الحديث على كأس من الشاي، مصنوع على بابورالكاز القديم.  أما في الأيام التي تكثر فيها الطلبات، ترفع الجارات أكمام جلابيبهن الملونة لمساعدة أم أمجد في تلبية الطلبات.  مع مرور الساعات، يأتي الزبائن لإستلام طلباتهم من خبز الصاج اللذيذ.

كل هذا بدأ عندما تلقت أم أمجد، الأم الأرملة لثلاثة أبناء، اتصالاً هاتفيا من ابنها الذي يعمل في البلدية “كان لديهم ضيوف يزورون البلدية، طلب مني أن أخبز لهم الخبز.  لم يكن حتى لدي الطحين، ولكنني لم أرغب في أن أخذله. فذهبت إلى جارتي و استعرت منها كيسا من الطحين.  حيث سلمت أول طلبية لي.”

في ذلك الوقت، كان مصدر الدخل الوحيد لأم أمجد هو تقاعد زوجها المتوفي، والذي بالكاد كان يغطي احتياجات عائلتها.  تشجعت أم أمجد لبدء مشروعها الخاص، بعد طلب ابنها.  اختارت إحدى غرف منزلها،  وأخرجت منها كل المفروشات وهيئتها لإستقبال شوالات الطحين، والأوعية، والصاج.  هناك تجلس كل يوم لساعات طويلة للعجن و الخبز وإستقبال طلبات الزبائن على هاتفها النقال بأصابعها المغطاة بالدقيق الابيض.

“المهارة  بحد ذاتها سهلة جدا،” تقول أم أمجد.  “جميع النساء من جيلي كن يتقن هذه المهارة. كان هذا قبل أن يبدأ الناس بشراء الخبز من المخابز.  كان الخبز أمرا تقدسه العائلات”

توفى زوجها، عندما كان أصغر أبنائها لا يتجاوز الأشهر، تاركا إياها لتتعامل مع مهمة توفير العيش لعائلتها في منطقة يصل عدد البطالة بين النساء الى ٣١،٤٪.  من الصعب عليها أن تصف تلك “الأيام الصعبة” على حد قولها.

“مهما حاولت، من المستحيل وصف الصعوبة في تأمين لقمة العيش بمبلغ ٧٠ دينار في الشهر.”  تقول أم أمجد “في بعض الأحيان، تستطيع استدانة مبلغ من المال من أفراد العائلة، و لكنهم يستطيعون المساعدة مرة أو مرتين. و لكن عليكِ أن تجدي الإستقلال المادي يوما ما”

preparing saj

kneeding 2

kneeding 3

kneeding

بالإضافة إلى مجموعة من النساء المطلقات والأرامل اللواتي تجدن أنفسهن مضطرات لتأمين العيش لعائلاتهن، تستفيد أم أمجد من نشاطات مشروع بنت بلد، مشروع مدته ثلاث سنوات، ممول من قبل الإتحاد الأوروبي ويعمل في موقعين في جنوب الأردن؛ بصيرة و الشوبك.  تم اختيار اسم المشروع من قبل المجتمع المحلي، لشعورهم بصلة مع الإسم.  وهو اسم يجلب إلى البال صور فتيات قويات و مستقلات.  مصطلح بنت بلد هو مصطلح إيجابي في المجتمع الأردني، بعيدا عن جميع الكليشيهات.

يقدم المشروع مجموعة من الخدمات، مثل الدعم القانوني والإستشارات المالية، بالإضافة إلى الرياضة والدعم الإجتماعي النفسي الذي يعمل على مساعدة السيدات في التعامل مع واقعهن المليء بالقيود.  كما يقدم المشروع مجموعة من التدريبات التي تساعد النساء على إنشاء و توسعة مشاريعهن الخاصة من خلال مجموعات عمل و نشاطات فردية.

بدأت أم أمجد بالمشاركة في نشاطات المشروع منذ البداية.  فكانت تحضر ورشات العمل والإجتماعات المختلفة للمشروع.  للكثيرات اللواتي تعشن في هذه المناطق البعيدة و المحافظة، تعتبر نشاطات المشروع التمكينية من النشاطات المسموحة والمقبولة اجتماعيا كوسيلة للتعلم والتفاعل مع الآخرين. وفي هذا السياق كانت أم أمجد راغبة في مشاركة قصتها، حتى يراها ابنها على “الفيس” و هو الإسم المستخدم على الفيس بوك.

تدعي أم أمجد انها الوحيدة التي تبيع الخبز البيتي. في مكان يعرف الجميع بعضهم بعضا، من الأغلب أن تكون على حق.  كبرت دائرة زبائنها من خلال شهادات زبائنها الآخرين.  حيث تستطيع أن تخبز حوالي ال ٢٠٠ رغيف بشكل يومي. و لكن الطلب على خبزها اللذيذ يتضاعف في موسم الأعراس، لأن خبزها يستخدم ليوضع تحت الطبق الوطني المنسف.  في هذه الأوقات، تستعين أم أمجد بالمتطوعات من الجيران و الأقارب.

تفتخر أم أمجد أن نجاحها  لم تخرج عن حدود منطقة الغرندل، والتي تعد من جيوب الفقر في محافظة الطفيلة، لتصل إلى باقي مدن المملكة وحسب، وإنما وصل خبزها إلى السعودية برفقة الحجاج والمعتمرين، وإلى الصين برفقة التجار المسافرين في رحلات تجارية!  تقول أم أمجد التي تروج لمنتجها بإستخدام هاتفها النقال فقط.

تعترف أم أمجد بأنها تشعر بأنها محصورة في الغرفة الضيقة التي تخبز فيها.  حيث لم يعد المكان يكفي لتلبية حاجات زبائنها.  عندما يتوفر لديها المال الكافي، تحلم أم أمجد بتوسعة المكان الذي تعمل فيه حتى يكون لديها مكان أوسع وأضاءه أكبر تستطيع فيه أن تخبز وأن تصنع اللبن في موسم الربيع.

“من الصحيح أنني بدأت من لا شيء بدون أي مصدر مالي، و لكن حان الوقت لتوسيع المشروع.” تقول أم أمجد التي غيرت من طريقة تفكيرها من الإعتماد على المساعدات العشوائية إلى الإعتماد على نفسها، من خلال نشاطات المشروع.  تتأمل أن تكون من ضمن السيدات اللواتي سيدعمهن المشروع من ضمن إحدى نشاطاته.

تنتظر أم أمجد للعودة للعمل ولكنها الآن مشغولة بالمناسبة الأحب على قلبها وهي تلك التي تستعد لها بعد أيام، فسوف تخبز المئات من الأرغفة لتكفي ضيوف حفل زفاف ابنها الأصغر قيس، الذي سـ”تشرك” له من صنع أيديها.

orders

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *