';

بنت بلد: فاطمة نسومر، الأمازيغية التي قاتلت جنرالين فرنسيين

cb_arvanitis_actrice_principale_1024

الممثلة ليتيسيا إيدو في دور فاطمة نسومر في الفيلم الذي أخرجه الجزائري بلقاسم حجاج. المصدر: AF Cinema 

شذى الشيخ

عادةً ما يتم تجاهل قصص المقاومة الجزائرية للمحتل الفرنسي في العقود التي كانت تسبق سنوات التحرير. وعادةً ما يتم تسليط الضوء على مقاومي فترة التحرير أكثر من مقاومي سنوات الاحتلال كافة والتي دامت 132 عاماً. لذلك عندما يُسأل غير الجزائرين مثلاً عن رموز المقاومة الجزائرية، فسنجد أن أكثر أسماء المقاومين شهرةً هي جميلة بوحيرد والعربي بن مهيدي وديدوش مراد وجميلة بوعزّة ومحمد بوضياف.

قد لا يكون هذا التجاهل مقصوداً، ولكن يجب علينا في نفس الوقت ألا نستمر في تجاهل هذه الفترة، وفي تجاهلها أبطالها الذين قدموا بطولاتٍ لا تقل في قيمتها عن بطولات أولئك الذين ساهموا في تحرير الجزائر في أربعينات وخمسينات وستينات القرن الماضي.

وإن كانت هناك شخصية نسائية مقاومة تستحق أن تُذكر في كتب التاريخ والدين وفي الأعمال السينمائية، فهي بلا شك المقاومة الأمازيغية الحرّة فاطمة نسومر.

كانت فاطمة نسومر تنتمي لعائلة تتبع الطريقة الرحمانية في التعبد، حيث كان والدها شيخ زاوية في قرية ورجة عين الحمام الكائنة في جبال منظقة تيزي وزّو الجزائرية. وكانت الطريقة الرحمانية المُتبعة من قبل أهلها الأثر الكبير في تشكيل شخصية لالا فاطمة الروحانية؛ ففاطمة كانت تُفضل أن تعيش حياة التنسك والتعبد والعزلة على أي شيٍ آخر، لذلك وبعد أن كانت قد رفضت العديد من الرجال المتقدمين لها، وافقت على زواج من ابن عمها، ولكنها وفي يوم زفافها تظاهرت بالمرض، الأمر الذي دفع زوجها إلى إعادتها إلى بيت أهلها مع الإصرار على عدم تطليقها كعقابٍ لها.

ذكاء فاطمة الحاد جعلها تبرز في علوم الدين، الامر الذي جعلها تتولى أمور الزاوية التي كان والدها يقوم عليها وذلك بعد وفاته. إلّا أنها بعد ذلك قررت ترك قريتها والتوجه إلى قرية “سومر” التي كان يقطن فيها شقيقها الأكبر “السي طاهر”، وهناك أكلمت فاطمة إبحارها في علوم الدين وفي التفرغ للعبادة والتأمل.

حكمة فاطمة وثقافتها جعلت إسمها ينتشر في جميع القرى المجاورة، وأصبح الجميع يأتي إليها طلباً للنصح والمساعدة. وعلى الرغم من أن فاطمة كانت تعيش حياةً روحانية، إلّا أنها كانت غير منقطعة عن أخبار الاحتلال الفرنسي وعن تحركاته في بلادها، لذلك يرى الجميع بأن فاطمة كانت شخصاً روحانيّاً ولكن واقعيّة في نفس الوقت. فهي لم تسمح لأسلوب حياتها بالتأثير على قدرتها على مواجهة القضايا الكبيرة التي تواجه أهلها وبلدها.

Chérif Boubaghla and the Lalla Fatma n'Soumer, by Félix Philippo

لوحة تُظهر كل من لالا فاطمة نسومر والشريف بوبغلة وهما متوجهان لمحاربة القوات الفرنسية. المصدر: Wikimedia

ارتبط اسم فاطمة نسومر فيما بعد باسم المجاهد “الشريف بوبغلة” الذي كان لفاطمة نسومر دوراً كبيراً في رسم تكتيك ثورته، فقد كان “بوبغلة” يستشير فاطمة في كل تحركاته وكان يسمع رأيها وينفذه.

تزعمت لالا فاطمة نسومر المقاومة في منطقة “أربعاء ناث إيراثن” عام 1850، وهناك قامت لالا فاطمة إلى جانب بوبغلة بمحاربة قوات الجيش الفرنسي، التي كانت وقتها بقيادة الجنرالين راندون وماك ماهون.  إلّا أن عدم تكافؤ العُدّة والعدد بين الطرفين، دفعت فاطمة والشريف بوبغلة بسحب قواتهما، وبالرجوع إلى مناطقهما ودعوة سكانها إلى الجهاد المقدس. وبالفعل تم تجنيد سكان مناطق جبال جرجرة.  ذهبت فاطمة برفقة بوبغلة لمواجهة الجنرال راندون والجنرال التركي يوسف وقواتهما، بالإضافة إلى مواجهة  آغا الجودي الخائن، الذي كان يدعم القوات الفرنسي في تقدمها في مناطق بلاده. وفي هذه المعركة الطاحنة استطاعت فاطمة وقواتها هزم الفرنسيين وكبّدتهم خسائر فادحة.

وعلى الرغم من الهزيمة النكراء التي مُنّيت بها القوات الفرنسية على يد فاطمة وجنودها، إلّا أنها تمكنت فيما بعد  من مواصلة التقدم في جبال جرجرة.  لم يخيب الجيش الفرنسي الظنون، حيث قام الجنود الفرنسيين بممارسة أبشع أنواع القتل والتعذيب، وقاموا بارتكاب إبادةٍ جماعية بحق سكان جبال جرجرة.

في هذه الأثناء كانت فاطمة مختبئة في إحدى الجبا،  تحشد الرجال والنساء لمواجهة القوات الفرنسية. تمكنت فاطمة فيما بعد بجمع 7000 رجلاً وامرأة، إلّا الجيش الفرنسي كان قد جميع 45000 جندياً لمواجهة فاطمة ولإنهاء مقاومتها. عدم تكافؤ العدد والعُدّة حال مرةً أُخرى أمام إحراز فاطمة للنصر، إلّا أنها تمكنت من إجبار العدو على الجلوس على طاولة المفاوضات معها. ولكن غدر الفرنسييون بفاطمة، واغتالوا من كان يفاوضون إلى جانبها، وقاموا بعزلها في زاوية بني سليمان في بتابلاط.  هناك أصيبت فاطمة بمرض عضال سبب لها شلل نصفي.

بعد أن قضت فاطمة سبع سنوات من العزل في زاوية سليمان، توفيت البطلة الأمازيغية فاطمة عن عمرٍ يناهز 33 عاماً.

قام المخرج الجزائري بلقاسم حجاج مؤخراً بإصدار فيلمٍ جزائري يحكي قصة فاطمة نسومر ويروي البطولات التي قامت بها إلى جانب رفيقها في المقاومة الشريف بوبغلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *