';

من غزة. هبة الشرفا تجتاز الصعوبات لتصبح أول معلمة مصابة بمتلازمة داون

تقرير مراسلة أخبارك من غزة آلاء وليد أبو سلطان 

IMG-20160401-WA0008

كنت في الخامسة والثلاثين من عمري عندما حملت بها، كان عندي رائف وهيفاء ووداد وأريج. وقتها كنا نسكن في إمارة رأس الخيمة إحدى إمارات أبو ظبي.  في 11/11/1989 وضعتُ حملي، كانت ولادة طبيعية. سألتني الطبيبة: نهى، هل لديك أطفال؟ أجبتُها: ولد وثلاث بنات.

كنت أظن أن سؤالها لي كان خوفًا من أن أتضايق كون المولودة أنثى في مجتمع يفضل المولود الذكر على الأنثى، لكنّ ظني لم يكن في محله. أين ابنتي؟ السؤال الذي وجهته للطبيبة حيث إنهم لم يحضروها لي بعد الولادة. في الحاضنة، أجابتني الطبيبة.

 كان تقرير الولادة بجانب السرير، أخذتُه وقرأتُ ما فيه، كان الوزن والحجم والنوع وكل المعلومات التي تخص مولودتي مدونة داخله، وفجأة سقطت عيني على كلمة وُضع تحتها ثلاثة خطوط حمراء. “داون سندروم” كانت المرة الأولى التي أسمع فيها هذه الكلمة ولم أفهم معناها. بدأ القلق يتسرب إلى داخلي.  عندما جاءت الطبيبة سألتُها ما معنى “داون سندروم”؟ وطلبتُ منها أن أرى ابنتي، أخذتني إلى الحاضنة وهناك أخبرتني طبيبة الأطفال أن كروموسومًا واحدًا في جينات ابنتي جعلها تصاب ب”داون سندروم” أي متلازمة داون وبدأت تشرح لي حالة ابنتي بالتفصيل. لا أخفيكم سرًا أنني صدمتُ وتضايقت وعندما عدتُ إلى غرفتي أجهشتُ في البكاء.  كانت المرة الأولى والأخيرة التي بكيتُ فيها بسبب وضع ابنتي، بعدها استجمعتُ قواي ودعوتُ الله أن يقدّرني وزوجي على رعايتها. اختلفتُ وزوجي على اسمها أرادها نعمة وأردتُها هبة. هبة الله وعطيته. انضمت هبة الشرفا إلى عائلتنا الصغيرة لأصبح أنا، نهى أبو شعبان، أمًا لطفلة مصابة بمتلازمة داون،  ومن هنا بدأت الحكاية.

رعاية خاصة

IMG-20160401-WA0032

نهى أبو شعبان، والدة هبة، عدسة أسيل الخالدي

[quote]

“التقبل الدرس الأول الذي يتوجب على الأهالي إجادته كي يستطيعوا التعامل مع أطفالهم”

[/quote]

أخذتُ وعدًا على نفسي أن أعطي هبة كل ما أستطيع من رعاية واهتمام وحب وتعليم ولا أبخل عليها بشيء، وكنتُ أنتظر منها أن تأخذ ما تستطيعه وتقدر عليه لا أكثر. كنا نسكن رأس الخيمة، ولم تكن هناك أية مراكز خاصة بمصابي متلازمة داون. توجهنا إلى مدينة الشارقة حيث جمعية الخدمات الإنسانية وقابلنا المختصين الذين قدموا لنا الإرشادات والنصائح حول كيفية التعامل مع حالة هبة. في البداية كان عليّ تنمية الأحاسيس لديها، فكنت أقف عند رأسها ثم أسير حتى تتابعني بنظرها، أصفق بجانب أذنها حتى أنمّي حاسة السمع عندها، أمسك بيديها وألمس باطن قدمها بهدف تنشيط حواسها. في عام 1995 انتقلنا للعيش في غزة، كان هناك مركز شمس المختص برعاية المصابين بمتلازمة داون وحصلتُ من خلال المركز على برنامج “البورتج” للتدخل المبكر، وهو برنامج لتثقيف الأمهات وإرشادهن حول كيفية التعامل مع أطفالهن وتدريبهم عن طريق بطاقات معينة.

خلال السنوات الخمس الأولى من عمر هبة كان وضعها في المستوى الطبيعي حالها كحال الأطفال الأصحاء من حيث الأكل والمشي والنطق واللعب. بعد استقرارنا في قطاع غزة تعرّفنا على جمعية الحق في الحياة. ومن هنا بدأت رحلة هبة داخل الجمعية التي قدمت لها الرعاية والاهتمام والتعليم.

نقلة نوعية

IMG-20160401-WA0027

هبة ووالدتها داخل المنزل، عدسة أسيل الخالدي

بعد أربع سنوات نقلت الجمعية مقرها إلى مكان آخر، وهنا واجهتنا صعوبة في وصول هبة إلى المقر الجديد نظرًا لبعد المسافة وصعوبة المواصلات. قررتُ إدخالها الروضة التي كانت ترتادها بنات عمها، كانت تقرأ كل شيء وتميز الحروف والأرقام وتحفظ الأناشيد. فقلتُ لماذا لا أدخل هبة مدرسة نظامية؟ لم يكن دخول هبة إلى مدرسة عادية أمرًا سهلاً، قصدنا أكثر من مدرسة وكان طلبنا يقابل بالرفض كون المدارس لا تقبل ذوي الإعاقة ممن تزيد أعمارهم عن 8 سنوات. كان عمر هبة حينها 10 سنوات، إلا أنني لم أستسلم ونجحتُ بعد محاولات في إدخالها مدرسة أم القرى بغزة القريبة من منزلنا.  درست هبة الصفوف الثلاث الأولى ونجحت بجدارة رغم أننا كنا نقضي ثلاث ساعات في كتابة سطرين فقط لكنني كنتُ أبذل معها كل جهدي. تمكنت هبة من اجتياز الصف الأول والثاني بتقدير جيد جدًا والثالث بتقدير جيد.

كانت هبة تشارك في الإذاعات المدرسية وتلقي القصائد، وكانت متفوقة في الرياضيات فكانت تجمع وتطرح حتى وصلت قدراتها على طرح وجمع مئات الآلاف، كانت هبة تجيد سرد ما يحدث معها فنجلس أنا وهي بالساعات نتحدث.

IMG_0438

هبة الشرفا، عدسة أسيل الخالدي

 كنتُ قد قرأت في كتيبات جلبناها من مراكز مختصة بشؤون المصابين بمتلازمة داون في بريطانيا أن طفلة مصابة بمتلازمة داون قد أصبحت مساعدة مدرسة فقلتُ لم لاتكون هبة هذا النموذج ومنذ ذلك الوقت وضعتُ هذا الهدف أمامي_ بعد وصولها للصف الرابع بدأت الأمور تصعب عليها، فعادت إلى جمعية الحق في الحياة وهي بعمر الرابعة عشر. تجربة الدراسة في المدرسة أضافت لهبة الكثير فزادت ثقتها بنفسها وهذا ما أثر على أدائها فيما بعد.

استكملت هبة مشوارها في جمعية الحق في الحياة مع مدرستها نوال بن سعيد والتي كان لها دور كبير في تعليم هبة وصقل موهبتها داخل الفصل.  وحتى أكون واقعية أكثر هناك فئة قليلة جدًا لا تتقبل أطفالها، بينما الخطأ الذي يقع فيه بعض الأهالي هو عدم اهتمامهم بأطفالهم من حيث النظافة الشخصية والاهتمام بمتابعة داخل المنزل وكتابة واجباتهم.  بعض الأهالي يعتقدون أن واجبهم فقط تجاه أبنائهم مقتصر على الطعام والشراب والنوم، التقبل والاهتمام والحب هذا كل ما تحتاجه هذه الفئة.

نوال بن سعيد مدرّسة هبة

IMG_0403

هبة أثناء التدريس داخل الفصل، عدسة أسيل الخالدي

 قابلنا معلمة هبة فقالت لنا: أثناء تدريسي لهبة داخل الفصل لاحظتُ أنها ذكية ولديها روح القيادة، ولديها ميول تعليمية، وكانت تمثل في المسرحيات، وعندما تلقي القصائد الشعرية تتفاعل مع الكلمات. كانت تقلدني أثناء شرح الدرس، وتساعد صديقاتها ذوات التحصيل المتدني حيث تجلس بجانبهن وتشرح لهن الدرس وتساعدهن في حل الواجبات ونطق الحروف بالشكل الصحيح. جاءتني هبة في يوم الأيام وقالت لي ” يا ريت يا آنطي نوال أصير مدرّسة مثلك وأشرح الدرس للطلاب والطالبات”.

بدأتُ أشركها في الشرح وتحضير الدروس ومتابعة الواجبات، ثم بدأت قدراتها تتطور إلى أن وصلت إلى مرحلة تستطيع أن تشرح الدرس لوحدها. وبذلك أصبحت هبة أول مدرّسة مصابة بمتلازمة داون في قطاع غزة وتمارس عملها في التدريس داخل الفصل.

هبة

IMG_0415

هبة الشرفا أثناء الحوار، عدسة أسيل الخالدي

اسمي هبة الشرفا، عمري 26 عام، واليوم أنا مساعدة الآنطي نوال، أساعدها في شرح الدروس للطلاب. بكون  مبسوطة كثير وأنا بشرح الدرس مع ماما نوال اللي تعبت عليّ وأنا صغيرة. طلابي بالصف كلهم شاطرين ومبسوطة منهم. بحس إني إمهم الحنونة. بنقرأ الدرس سوا واللي ما بفهم بقعد جنبه وبشرح له، واللي ما بعرف بستخدم القلم بستخدم الطينة ليمرّن إيديه، وبشجعهم بالهدايا والبلالين.

في البيت بحضّر الدرس أنا وماما، وفي الجمعية بساعد مس نوال في الشرح وفي وضع جدول الحصص ومتابعة الواجبات.

IMG-20160401-WA0057

هبة أثناء تحضير الدرس، عدسة أسيل الخالدي

ماما بتساعدني أختار ملابسي، أكثر شي بأحب ألبس الخواتم، وفي المناسبات بحب أحط مكياج، بس غالبًا ما بأحط غير الأساس.  بساعد ماما بشغل البيت، بأعرف أعمل شاي بس ماما هي اللي بتولع الغاز، برتب غرفتي وبجلي الصحون والكاسات بالمطبخ.

IMG-20160401-WA0040

هبة تغسل الصحون داخل مطبخ منزلها، عدسة أسيل الخالدي

بدي أحكيلكم سر، صح إني أنا كبيرة وعمري 26 لكن بحب أتفرج على طيور الجنة وحافظة كل الأغاني. لكن أكثر أغنية بحبها بنت صغيرة فلسطينية، وأغنية صدى صوتك اللي كل ما أغنيها  ببكي.

IMG-20160401-WA0036

بحب ألعب مع أولاد أختي ومعلقة على باب غرفتي ورقة إرشادات لهم.

IMG-20160401-WA0035

إرشادات على باب غرفة هبة لأولاد أختها، عدسة أسيل الخالدي

أكثر شي بنبسط فيه لما أقعد مع خواتي ونحكي ونطلع سوا. من المواقف اللي ضحكتني، لما عملوا معي لقاء على التلفزيون، أختي قلتلي بمزح ” هو كل المقابلات إلك لحالك، واحنا ما النا نصيب”. بتمنى أبقى بالجمعية وأضل أدرس الأطفال وبعدين نفسي أصير مديرة للجمعية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *