';

في مثل هذا الأضحى، قامت عثمانة بتحرير العبيد

خلود الشندرلي

لقائي بها كان ممزوجا ببراءة الطفولة.  في تلك المرحلة من طفولتي، كنت أعشق ظفائر شعري الأسود، لأنه كان يعطيني ثقة كبيرة بنفسي، فقد كان يجعلني أشعر بأنني أشبة الاميرات التركيات. هذه الثقة الزائدة،  كانت  تدفع خالي شكري، الاقرب إلى قلبي، لإطلاق النكات علي دوما! لم يكن عمري يتجاوز الثمان سنوات،  عندما تعرفت على عزيزة عثمانة، الملقبة بأميرة الاعياد.  كنت أتمشى  مع خالي في ساحة القصبة ، حيث يقع المشفى الذي ولدت فيه، و لابد أن خالي رأها فرصة ليعلمني شيئا جديدا، فقال لي بطريقتة الساخرة المعهودة:

[quote]هنا كانت ولادتك، بمستشفى ابنة عمك عزيزة عثمانة، يا أميرة تركية![/quote]

 قرأت اسمها بثقة كبيرة وبصوت عال،  فقد تمكنت من حروف الابجدية بحق حينها، وحفر اسمها في ذهني ….من هي ابنة العم ومن هي أميرة الأعياد؟ اتذكر أنني شبهتها بالياسمين عندما رأيت صورتها أول مرة في صفحات كتاب غطاه الغبار في المكتبة الوطنية…

عزيزة عثمانة

largecover

صورة لطابع بريدي نشر في مقال لموقع : بريتش دنتال جورنال

الله أكبر… الله أكبر….مع تعالي تكبيرات عيد الأضحى اليوم في عام 2017، يأبى الغبار أن يبقى على حروف اسم عزيزة عثمانة، كيف يمكن ذلك وقصتها مرتبطة بعيد الأضحى؟ كيف يمكن ذلك وكل تونس تشهد لها بإحسانها و تردد اسمها اليوم، في الزمن الذي ذابت فيه الشخصيات النسائية في غياهب العيب والحرام. 

أما عثمانة الرائدة، الثائرة، فقد عرفت تونس في عهدها نقلة نوعية بحق، قادت فأحسنت،  واستطاعت ان  تطرز اسمها على صفحات تاريخ هذا البلد. 

ولدت في النصف الأول من القرن السابع عشر، هي أميرة تونسية من أصل تركي عثماني عرفت بإحسانها، عاشت في مدينة تونس.  عرّفها حسن حسني عبد الوهاب بأنها بنت أبي العباس أحمد بن محمد بن عثمان داي الذي حكم البلاد التونسية فيما بين 1593 و 1610. ومن هنا جاءت شهرتها بعثمانة. تزوجت من حمودة باشا المرادي.  كانت عثمانة واسعة الثراء، أوصت بوقف ثلث العقارات والأراضي الشاسعة التي كانت تملكها، والتي تناهز مساحتها التسعين ألف هكتار ورصد ريعها للمشروعات الخيرية والإنسانية. كانت في ليلة القدر من كلّ سنة، تتعهّد بمصاريف الختان لأبناء الفقراء وتعيل الفتيات الفقيرات بتمكينهنّ من لوازم زفافهنّ.. كما كانت ترصد رواتب سنوية لذوي الإعاقات.

 من أهمّ الانجازات التي حققتها تخصيص جانب من وقفها لتمويل مستشفى بالقصبة لمعالجة الفقراء وإيواء العجز. وهو من أقدم المستشفيات في العاصمة التونسية. نسميها نحن في تونس (بغسالة النوادر) لأنها كانت نادرة في عصرها وفي تونس كامرأة وكأميرة.

عثمانة وعيد الأضحى

 

Aziza_Othmana_3

صورة للمكان التي دفنت فيه الأميرة للمصور زاهر كمون على موقع سفاري

أدت عزيزة فريضة الحج في أحد الأعوام، وعند عودتها،  قامت بتحدي جميع العادات والتقاليد المتعارف عليها في زمنها مسببة صدمة في البلاط الملكي. فقد قررت بأن مهمتها في الحياة هي اعتاق العبيد، فبدأت باعتاق جميع العبيد الذين كانوا يخدمون في البلاط الملكي، في مثل هذا اليوم كعيدية لهم، بموجب مرسوم ملكي… حركة جريئة، لاتمت بالسائر والعادي والمتعارف عليه بصلة،  وخاصة في ظروف كانت فيها القرصنة ضدّ السفن الأوروبية في أوجها.

بالتأكيد لم يكتب التاريخ الذكوري عنها كثيرا. في الحقيقة لم يذكرها سوى ابن أبي دينار وأحمد بن أبي الضياف، الذين مروا مرور الكرام ببضع كلمات وبعض الحروف الخرساء الخالية من كل روح، والتي لا تظهر أبدا ما قامت به من دور اجتماعي وثقافي مشع. فكيف يمكن تفسير هذا البرود في التعامل مع هاته الشخصية ؟ رغم أن تونس لم تكن تفتقر آنذاك إلى العلماء والباحثين المدونين الذين داومو على تسجيل أي حدث أو أي عمــــل له أهمـــية سياسية أو اجتماعية او خيرية. هل في وجود مثل هذه المرأة في التاريخ الإسلامي، تهديد للذكورية التي تفضل النساء الخاضعات، الخانعات؟

 تُوفيت عثمانة سنة 1669. وكانت قد أوصت بتكريس بعض الأموال لكي يوضع على قبرها فجر كلّ يوم إكليلٌ من الزهور حسب الفصول. بالرغم من تلاشي هذه العادة في الوقت الحالي، إلا أن بعض فتيات العائلات في تونس لا زالت تضع الورود على قبرها عند حلول الربيع من كلّ سنة.

يحضرني أبو الطيب المتنبّي قائلا

[quote]

ولـو كان النساء كمـا فقدنـا * لفضّلت النسـاء على الرجال

[/quote]

…كانت عماد دولة، و نورا في مجتمع، ….فما الروح الا حرة أبية، وهي كانت من دعاة الحرية.

و للحلم تفاصيل أخرى وحروف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *