';

نوال السعداوي بعيون شابة عربية

إيمان زهير
أوّل مرّة شاهدتّ فيها نوال السعداوي، كنت في المرحلة الإعدادية، كانت على أحد القنوات الفضائية اللبنانية، تستضيفها مذيعة مصرية، بدت مُدهشة وغريبة جدا أنذاك، لا تشبه أحداً بجرأتها؛ إمرأة شعرها كساه البياض، تتحدث بمواضيعٍ تعتبر محرمة، تسبب اللعثمة للمذيعة، التي بدورها لم تكن تستطيع الرّد، فقد كانت نوال تتكلم بكلّ ثقة، وبكامل الثقافة والإستعداد للإجابة عن أيّ سؤالٍ يُطرح من المذيعة.
 
إنتهت الحلقة، لكنّ كلامها لم ينتهِ من رأسي، فقد كان منسجماً تماماً مع دوّامة الأسئلة التي كانت تتراقصُ في رأسي في تلك الفترة، سواء تلك الفلسفية الوجودية، أو المجتمعية. شعرتُ حينها بأنّ هناك في هذا العالم من يسأل نفس أسئلتي. بأنني لستُ غريبة أو مختلّة،  كما كانت صديقاتي في المدرسة يدعونني، عندما كنتُ أقول بأنني أحبّ أن أركب “البسكليت”، أو أتساءل ” لماذا تربيتُ  أن أغسل الصحون وأخي لا يفعل ذلك مع أننا نعود من المدرسة معاً؟”  بعد عدة أيام، سمعت شيخا يصف نوال بأنّها شيطان، وأنّها كافرة وأن مكانها هو جهنم.  ترددتُ وخفتُ من نفسي ومن اسئلتي.
 

رحلة صراعي مع المجتمع

كبرتُ ووصلت المرحلة الثانوية، وبدأت صراعاتي الحقيقية مع المجتمع، فقد عرفت حينها لماذا يمنع مجتمعي الفتيات من ركوب “البسكليت”، ولماذا يُمنعن من حرية التنقل والسفر كالذكور. تقافزت في تلك الفترة أسئلة جديدة في رأسي بدون مجيب، هل حقا الشرف بين أرجل الفتيات؟ وماذا ان لم تمتلكه المرأة، هل ستقتل؟ كانت فترة حرجة جدا من حياتي، لكنني للأسف لم ألجأ لنوال وقتها، كنتُ لا أزالُ خائفة من كلام الشيخ السلفي الذي صوّرها على أنها شيطان سيوصلني الى جهنّم.
 
انتهت مرحلتي الثانوية ودخلتُ الجامعة، عندها تفجرت الأسئلة من جديد،  لماذا الطلاق في يد الرجل فقط؟ لماذا يسمح للرجل أن يخون امرأته علناً ويتزوج عليها أربعة؟ لماذا على المرأة أن تُغطّي شعرها صيفاً شتاءاً؟ لماذا يأخذ الأخ ضعف ميراث أخته؟ لماذا يُسمح للزوج بضرب زوجته تحت مسمى الدين؟ لماذا ولماذا ولماذا، وبدأتُ أبحث وأتساءل.  كنتُ أناقش بعض الأصدقاء في مفاهيمي ونظرتي غير المتوافقة مع المجتمع، ليذكر أحدهم اسم نوال، وتذكرتُ عندها تلك المرأة الشرسة التي ظهرت على التلفاز وأنا في الإعدادية، وتذكّرتُ كم تأخرت عنها، فعدتّ مرّة أخرى لها واشتريتُ كتاب: امرأة عند نقطة الصفر، شعرت  بأنّ صوتي الداخلي هو الذي يتحدث.
 
 أدركتُ عندها بأنها ليست شيطاناً، بل عرّابة لكلّ الأحرار، ولكلّ الفتيات اللواتي لا يردن الرضوخ للواقع المجتمعي القذر، واللواتي يغلي فيهنّ ماء التمرّد والتحرر.
 

من هي نوال؟

نوال السعداوي. المصدر:Cairo Lens 
طبيبة وروائية وكاتبة مصرية ومدافعة شرسة عن حقوق الإنسان، ولدت في أكتوبر من عام  1931، استلمت مناصب عدّة، مثل منصب المدير العام لإدارة التثقيف الصحي في وزارة الصحة في القاهرة، والأمين العام لنقابة الأطباء بالقاهرة، بالإضافة  إلى عملها كطبيبة في المستشفي الجامعي.  كما نالت عضوية المجلس الأعلى للفنون والعلوم الإجتماعية بالقاهرة . وأسست جمعية التربية الصحية وجميعة للكاتبات المصريات، وعملت فترة كرئيس تحرير مجلة الصحة بالقاهرة، ومحرره في مجلة  الجمعية الطبية. بالإضافة إلى ذلك أسست جمعية تضامن المرأة العربية.  ألّفت أكثر من خمسين كتاباً، ترجموا الى أكثر من عشر لغات عالمية.
 
نشأت في عائلة تقليدية محافظة، في قرية كفر طلحة وقد كانت الطفلة الثانية من بين تسعة أطفال. امتدحت أمها زينب في أكثر من لقاء تلفزيوني بأنها امرأة حرّة. كما قالت بأنها لم تسمح لزوجها يوماً أن يرفع صوته عليها.  عندما تُسأل عن أبيها تصفه بأنه أعطاها الحرية وأسس فيها روح التمرد، وأصرّ على تعليم جميع أولاده. لكن على الرغم من ذلك انتقدت ازدواجيتهم عندما عرّضوها لجريمة الختان وهي في عمر السادسة وروت قصتها معها: 
 
[quote]

كنت فى السادسة من عمرى، نائمة فى سريرى الدافئ أحلم أحلام الطفولة الوردية، حينما أحسست بتلك اليد الخشنة الكبيرة ذات الأظافر القذرة السوداء، تمتد، وتمسكنى، ويد أخرى مشابهة لليد السابقة خشنة وكبيرة تسد فمى، وتطبق عليه بكل قوة لتمنعنى من الصراخ. حملونى إلى الحمام، لا أدرى كم كان عددهم، ولا أذكر ماذا كان شكل وجوههم، وما إذا كانوا رجالاً أم نساءا.  فقد أصبحت الدنيا أمام عينى مغلقة بضباب أسود.  ولعلهم أيضاً وضعوا فوق عينى غطاء. 
كل ما أدركته فى ذلك الوقت تلك القبضة الحديدية التى أمسكت رأسى وذراعى وساقى حتى أصبحت عاجزة عن المقاومة أو الحركة، وملمس بلاط الحمام البارد تحت جسدى العارى، وأصوات مجهولة، وهمهمات يتخللها صوت اصطكاك شىء معدنى ذكرنى باصطكاك سكين الجزار، حين كان يسنه أمامنا قبل ذبح خروف العيد. 
 
وتجمد الدم فى عروقى، ظننت أن عدداً من اللصوص سرقونى من سريرى، ويتأهبون لذبحى، وكنت أسمع كثيراً من هذه القصص من جدتى الريفية العجوز، وأرهفت أذنى لصوت الاصطكاك المعدنى وما إن توقف حتى توقف قلبى بين ضلوعى، وأحسست وأنا مكتومة الأنفاس ومغلقة العينين أن ذلك الشىء يقترب منى، لا يقترب من عنقى، وإنما يقترب من بطنى، من مكان بين فخذى، وأدركت فى تلك اللحظة أن فخذىّ قد فتحتا عن آخرهما، وأن كل فخذ قد شدت بعيداً عن الأخرى بأصابع حديدية لا تلين، وكأنما السكين أو الموسى الحاد يسقط على عنقى بالضبط، أحسست بالشىء المعدنى يسقط بحدة وقوة، ويقطع من بين فخذى جزءاً من جسدى.  صرخت من الألم رغم الكمامة فوق فمى، فالألم لم يكن ألماً، وإنما نار سرت فى جسدى كله، وبركة حمراء من دمى تحوطنى فوق بلاط الحمام.  لم أعرف ما الذى قطعوه منى، ولم أحاول أن أسأل، كنت أبكى، وأنادى على أمى لتنقذنى، وكم كانت صدمتى حين وجدتها هى بلحمها ودمها واقفة مع هؤلاء الغرباء تتحدث معهم، وتبتسم لهم وكأنهم لم يذبحوا ابنتها منذ لحظات.
حملونى إلى السرير، ورأيتهم يمسكون أختى التى كانت تصغرنى بعامين بالطريقة نفسها، فصرخت وأنا أقول لهم لا، لا، ورأيت وجه أختى من بين أيديهم الخشنة الكبيرة، كان شاحباً كوجوه الموتى، والتقت عينىّ بعينيها فى لحظة سريعة قبل أن يأخذوها إلى الحمام، وكأنما أدركنا معاً فى تلك اللحظة المأساة، مأساة أننا خلقنا من ذلك الجنس، جنس الإناث الذى يحدد مصيرنا البائس، ويسوقنا بيد حديدية باردة إلى حيث يستأصل من جسدنا بعض الأجزاء”
 [/quote]
720919
 نوال سعداوي. المصدر: مجلة حياتك
تعرضت  نوال للسجن والإقصاء نتيجة لآراءها الإجتماعية والدينية والسياسية، ونتيجة تمسكها بمبادئ الثورة النسوية.  فقد أوقفتها وزارة الصحة عن عملها نتيجة آراءها وحملاتها ضد ختان الإناث، ومُنعت كتبها من النشر داخل مصر، كما  حكم عليها بالسجن  سبتمبر 1981 في عهد السادات  وخرجت في نفس العام بعد شهر واحد من إغتيال السادات. وأيضاً عام 1983 سُجنت في سجن القناطر، وخرجت منه بكتابها مذكراتي في سجن النساء.
 
إن نوال امرأة ناردة من نوادر عصرنا. استطيع بكل بساطة أن أقول بانها من العظماء الذين دخلوا التاريخ لأنهن تركوا بصمة عظيمة على نساء منطقتنا العربية. وكم نحن بحاجة لنوال ونوالات لتصل المراة العربية إلى مكانها العادل الذي يجب أن تكون فيه.
 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *