';

رأي: لماذا أتجنب مشاهدة الأفلام الرومانسية

romcom

المصدر: Zimbio

شذى الشيخ 

قد لا يختلف اثنان على أن الأفلام الرومانسية وُجِدت لتساعد الناس على الهروب من الواقع “غير اللطيف” الذي يعيشون فيه، كما أنها تساعدنا – بطريقة درامية جداً- على التنفيس عن حزننا؛ فمن منّا لا تقوم بإحاطة نفسها بعلبة المناديل عند مشاهدتها لإحدى الأفلام الرومانسية، وذلك تحسباً لأي انهيارٍ عصبي قد يتسبب فيه ارتكاب ذلك البطل المثالي لأول خطأ في حياته، أو مونولوجه الطويل الذي يلقيه على مسامع حبيبته لاستعادتها؟

 شخصياً، أنا لا أحب الأفلام الرومانسية، فعدا عن أنها لا تروق لي بسبب قصصها المعادة والمبسطة بطريقة مملة، فإنني أًحس بأن هذه الأفلام تشوه بطريقة أو بأخرى تصورنا عن العلاقات العاطفية بكل مكوناتها: الحب والطرف الآخر والمشاكل وحلّها.

وعلى الرغم من أن هوليوود تضع جميع قصص أفلامها الرومانسية في قالبٍ بعيد كل البعد عن الواقع – البطلان ذوا الجمال الآخّاذ، لا يزالا في منتصف العشرينات ولكن كليهما لديه وظيفة مرموقة، وشقة كبيرة في نيويورك أو لوس أنجلوس- إلّا أنها تستطيع في كل مرّة إقناع اللاوعي لدينا، بأن هذا الرجل حقيقي وموجود، وبأن هذه الفتاة وتصرفاتها هما المعيار لا الاستثناء.  وهذه مصيبة بحدّ ذاتها، لا سيما في عالمنا العربي، حيث تعيش الفتيات والشباب على حدٍّ سواء، حالات جفاف عاطفي مستعصية.

وقبل التحدث عن العلاقة ذاتها في الأفلام الرومانسية، يجب علينا أن نتحدث أولاً عن الكيفية “الغبية” التي تبدأ بها هذه العلاقات وعن معاييرها. ففي جميع هذه الأفلام، يكون الشاب والفتاة عبارة عن آية من الجمال، وضعهما المادي فوق الريح، والوقوع في الغرام عندهما لا يتطلب سوى تواجد فارس الأحلام في الزاوية المقابلة لفتاة الأحلام، والتقاء عيناهما في تلك اللحظة السحرية.

5romcomposters

المصدر: The Story Department

قد يجادل بعض الناس فيما إذا كان المرء قادراً على الوقوع في غرامٍ شخصٍ آخر من أول نظرة، ولكن ما لا يستطيع أحدٌ مناقشته هو تحول هذا الحب -بالنسبة إلي هو فقط إعجاب سطحي مبني على الانجذاب نحو الجمال الخارجي فقط- إلى حالة متطورة من الهيام في فترة قصيرةٍ جداً، حيث يقوم البطل بالتضحية أحياناً بنفسه من أجل حماية محبوبته وتحقيق سعادتها.

الأنكى من ذلك، هو أن هنالك بعض الأفلام التي تروج لتحول مشاعر الكره إلى مشاعر حب. بمعنى أنك قد تقعين في غرام ذلك الشاب الذي تكرهين رؤيته كل صباح. ومن العادي جداً أن تعشقيه وتنسي أسباب كرهك له، ومن العادي جداً أن تغفري له تصرفاته الحمقاء اتجاهك وأن تقومي بتولي مهمة تحويله إلى شخصٍ طيب.

أما بالنسبة لمرحلة ما بعد الوقوع في الغرام من أول نظرة، فنلاحظ أن العلاقة بين الحبيبين يكون لونها بامبي ولا تمر بأي مشاكل، والرجل دائماً ما يكون هو من يبذل المجهود في سبيل استمرار العلاقة، ويتمتع بذاكرة حديدية وبحسٍ رومانسي عالي وبمحفظةٍ ممتلئة. فنراه يتذكر كل ذكرى شهرية تمر على لقائه مع حبيبته بشرائه للهدايا الفاخرة وبوكيهات الورد “اللي ما إلها داعي” ووجبات عشاء فارهة. كما أن الرجل في هذه الأفلام يتمتع بمزاجٍ عالٍ جداً، فمهما كان مشغولاً أو مكتئباً، نراه دائماً يعيش الجو مع صديقته بكل سعادة وفرح!!

أما عن المشاكل، فأفلام هوليوود لا تحب وجع الراس الواقعي، لذلك لا تعرف العلاقات فيها سوى مشكلة واحدة فقط، وهي عادةً ما تكون المشكلة التي تحصل عادةً عند نهاية الساعة الأولى من الفيلم. هذه المشكلة عادةً ما يكون سببها ارتكاب الرجل لحماقة كبيرة تجعل حبيبته تتركه في اللحظة التي تكتشف فيها هذا الفعل، ليقوم “أخينا” فيما بعد بمطاردتها تحت الأمطار وفي المطارات وذلك حتى يقوم بإلقاء خطاب عاطفي طويل عريض على مسامعها، فيذوب قلبها، المسكينة، وتسامحه كهذا وبكل سهولة! واقع ولّا مش واقع ده يا متعلمين يا بتوع المدارس؟؟  

pg-12-bridget-jones

المسكينة Bridget Jones. المصدر: The Independent

الحقيقة أن الواقع مختلف جداً عن ذلك، فالرجال في عالمنا هذا لم ولن يقعوا في غرامك من أول نظرة. وإن حدث هذا، فلن يكون حب وإنما فقط إعجاب بمظهرك الخارجي –والجمال غير دائم-، كما أنهم لم ولن يعترفوا لك بحبهم من أول أو ثاني لقاء، وذلك لأنهم لا يفهمون التلميحات ويخافون من الرفض. الرجال في الواقع يعانون من مشكلة النسيان، فلا تتوقعي من حبيبك أن يكون كبطل فيلمك المفضل وأن يقوم بتحضير مفاجأة كبيرة لك في كل ذكرى شهرية تمرّ على اعترافكما لبعضكما بحبكما! وعند مروركما بمشكلةٍ ما فلا تتوقعي منه أن يلقي على مسامعك مونولوج طويل عريض لإرضائك، وذلك ليس لأنه لا يريد فعل ذلك، بل لأنه غير قادر على ذلك؛ باتريك ديمبسي يقوم بذلك لأنه ممثل ولأنه قام بحفظ نصه وليس لأنه رجل طبيعي.

عدا عن كل هذا فإن الفتيات في هذه الأفلام لا يشبهننا في الواقع، لا شكلاً ولا مضموناً. وجميعهن وصلن أهدافهن المهنية على الرغم من أن أعمارهن لا تتجاوز الخمسة والعشرين. وحتى الفتاة الوحيدة –Bridget Jones– التي كانت لازالت تشق طريقها في مهنتها، كانت تلعب دور الفتاة الممتلئة والمختلفة في جمالها عن جمال بطلات أفلام هوليوود الرومانسية، الأمر الذي جعلها محل سخرية الجميع لكل ما تتعرض له من مواقف غير لطيفة.

مجدداً، أعلم أن هذه الأفلام مجرد أفلام وأن المشكلة تكمن في من يصدقها لا في من ينتجها، ولكن عندما تقوم الأفلام والمسلسلات والروايات العاطفية المبتذلة برسم صورةٍ مثاليةٍ عن الحب والعلاقات في مخيلة الجمهور، تقوم هذه الصورة بأخذ مكانٍ خاصٍ لها في اللاوعي، ولأن الإنسان بطبعه حالم يبدأ بالتوقع بأن الحياة من الممكن أن تكون كذلك وبأن هؤلاء الأشخاص الموجودون في هذه الأفلام حقيقيون ومن الممكن الالتقاء بهم.

لست بحاجة إلى شابٍ يقع في غرامك من أول نظرة، والحب لم ولن يأتي بمجرد لقاءٍ او لقائين، والحياة العاطفية مليئة بالخلافات والمشاكل، ومن الطبيعي عند حدوث هكذا أمر أن يأخذ كل أحد من الطرفين وقته في تفهم الآخر ومسامحته، فأنتِ لست متضطرة إلى أن تكوني آنا هاذاوي في The Intern ، وأن تغفري لزوجك خيانته خلال ثانيتين فقط.

وفي النهاية فإن جمال الحب يكمن في تفاهم الشخصين، في اكتشافهما لبعضهما، في اختلافهما، في عدم قدرة أحدهما على قول ما هو صحيح في الوقت الصحيح. جماله في تطوره، في أحزانه وأفراحه، في صدقه ووفائه والأهم من كل ذلك في واقعيته لا في خياله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *