';

رسائل ما بين مي و جبران: حب وثلج ما بين نيويورك والقاهرة

في شتاء كهذا عام ١٩٢٤،  وبعد ما يقارب ١٣ عاما من بدء المراسلات بين مي زيادة وجبران خليل جبران٬ استجمعت مي شجاعتها واعترفت لجبران بحبها له٬ كانت قد تجاوزت الخامسة والثلاثين من عمرها، و تجاوزت عقدة المرأة الشرقية.

بدأت المراسلات بينهما في ١٩١١ و استمرت حتى وفاة جبران في ١٩٣١.  في بداية المراسلات، اتسمت لغة مي بالحذر، واكتفت باللهجة الرسمية في الخطاب. لكنها مع الوقت، وقعت اسيرة لكلمات جبران، وتحركت عاطفتها له٬ ومع ذلك آثرت التهرب من مشاعرها.  فكانت تنقطع شهورا عن مراسلته، ليدفعه ذلك للتساؤل عن هذا الانقطاع، واصفا اياها بإحدى رسائله بأنها “موسوسه”. لكنها كإمرأة شرقية كانت خاضعة لصراع دائم ما بين عقلها الذي كان يملي عليها بالتوقف وقلبها الذي كان سعيدا بالمغامرة، وبالتالي كان يملي عليها بالاستمرار في المراسلة.

جمعت رسائل جبران لمي في كتاب الشعلة الزرقاء. اما رسائلها له فقد ضاعت بعد وفاته. لم يعرف كيف ولماذا. و لكن  الاستاذة رندة سقف الحيط ترجح ان رسائل مي لجبران قد سرقت من قبل سيدة لبنانية كانت على علاقة بجبران، لأنها أرادت أن تكون حبيبة جبران الوحيدة.‏ 

بالمناسبة عاش جبران معظم حياته في نيويورك وعاشت مي معظم حياتها في القاهرة ، و لم يكتب لهما ان يلتقيا قط.  ومع ذلك كانت قصة حبهما  قوية  وصادقة .  مي، بالرغم من كثرة معجبيها، أخلصت لجبران بحب عذري سبب لها الكثير من الحزن في حياتها. و جبران مع كثرة عشيقاته الا ان مي كانت حبه الصادق.

نتركم مع الرسائل التي أعلنا فيها حبهما لبعضهما. 

mai Ziyadeh

 

[quote]

من مي الى جبران

القاهرة  ١٥ كانون الثاني ١٩٢٤

 جبران !
لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب. ان الذين لايتاجرون بمظهر الحب، ينمّي الحب في أعماقهم قوه ديناميكيه رهيبه، قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في اللألأ السطحي، لأنهم لايقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر.  ويفضّلون تضليل قلوبهم عن ودائعها، والتلهي بما لاعلاقه له بالعاطفه.  يفضلون أي غربه، وأي شقاء ( وهل من شقاء وغربه في غير وحدة القلب ؟) على الأكتفاء بالقطرات الشحيحه.

مامعنى هذا الذي اكتبه؟ اني لا أعرف ماذا أعني به! ولكني أعرف انك ” محبوبي ”، وأني أخاف الحب، أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير. الجفاف والقحط واللا شيء بالحب خير من النزر اليسير، كيف أجسرعلى الأفضاء اليك بهذا؟ وكيف أفرّط فيه؟  لا أدري. الحمدلله اني اكتبه على ورق ولا أتلفّظ به، لأنك لو كنت حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك تراني الا بعد أن تنسى. حتى الكتابة ألوم نفسي عليها احياناً، لأني بها حرة كل هذه الحريه.  قل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى. فإني أثق بك، وأصدق بالبداهه كل ماتقول! وسواء كنت مخطئه فان قلبي يسير اليك، وخير مايفعل هو أن يظل حائماً حواليك، يحرسك ويحنو عليك.

غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال الأشكال والألوان، حصحصت نجمه لامعه واحده هي الزهره، اترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون؟ ربما وُجد فيها من هي مثلي، لها جبران واحد، تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء، وتعلم ان الظلام يخلف الشفق، وان النور يتبع الظلام، وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع الليل مرات كثيره قبل أن ترى الذي تحبه.  فتتسرب اليها كل وحشة الشفق، وكل وحشة الليل، فتلقي القلم جانباً لتحتمي من الوحشه في إسم واحد : جبران !

[/quote]

Gibran

رد جبران على رسالة مي برسالة بدوره، معبرا عن حبه

[quote]

من جبران إلى مي

نيويورك ٢٦ شباط ١٩٢٤

نحن اليوم رهن عاصفة ثلجية جليلة مهيبة، وأنت تعلمين يا ماري أنا أحب جميع العواصف وخاصة الثلجية، أحب الثلج، أحب بياضه، وأحب هبوطه، وأحب سكوته العميق. وأحب الثلج في الأودية البعيدة المجهول حتى يتساقط مرفرفاً، ثم يتلألأ بنور الشمس، ثم يذوب ويسير أغنيته المنخفضة.
أحب الثلج وأحب النار، وهما من مصدر واحد، ولكن لم يكن حبي لهما قط سوى شكل من الاستعداد لحب أقوى وأعلى وأوسع. ما ألطف من قال:

يا مي عيدك يوم

وأنت عيد الزمان

انظري يا محبوبتي العذبة إلى قدس أقداس الحياة، عندما بلغت هذه الكلمة ((رفيقة)) ارتعش قلبي في صدري، فقمت ومشيت ذهاباً في هذه الغرفة كمن يبحث عن رفيقه. ما أغرب ما تفعله بنا كلمة واحدة في بعض الأحايين! وما أشبه تلك الكلمة الواحدة برنين جرس الكنيسة عند الغروب! إنها تحول الذات الخفية فينا من الكلام إلى السكوت، ومن العمل إلى الصلاة.

تقولين لي أنك تخافين الحب.
لماذا تخفين يا صغيرتي؟
أتخافين نور الشمس؟
أتخافين مد البحر؟
أتخافين مجيء الربيع؟
لماذا يا ترى تخافين الحب؟

أنا أعلم أن القليل من الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني، أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل. نحن نريد الكثير. نحن نريد كلَ شيء. نحن نريد الكمال. أقول يا ماري إن في الإرادة الحصول، فإذا كانت إرادتنا ظلاً من أظلال الله، فسوف نحصل بدون شك على نور من أنوار الله.

لا تخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة.
اسمعي يا ماري: أنا اليوم في سجن من الرغائب، ولقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت. وأنا اليوم مقيد بقيود فكرة قديمة، قديمة كفصول السنة، فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج إلى نور النهار وهل تقفين إلى جانبي حتى تنكسر هذه القيود فنسير حرين طليقين نحو قمة جبالنا؟

والآن قربي جبهتك. قربي جبهتك الحلوة – والله يباركك ويحرسك يا رفيقة قلبي الحبيبة.

جبران

[/quote]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *