';

في يوم التلفاز العالمي، هل يستحق التلفاز العربي كلّ هذه الثقة ؟

إيمان زهير

تُعتبر المرأة المادة الخام للصحافة المرئية والمسموعة، وبالأخص التلفاز.  مادة خام تُشكلها المؤسسة المسؤولة كما تهوى وترغب، بطريقة تنسجم كليا مع شكل المجتمعات العربية.

وهنا نطرح سؤالاً بالغاً في الأهمية: هل المجتمعات هي من فرضت طبيعة المادة المعروضة، أم أنّ الصحافة المرئية هي من شكّلت المجتمعات بطريقة ذكية على مدى الألفية الأخيرة؟

 فعلياً كلاهما أثر على الآخر بشكلٍ أو بآخر، فطبيعة المجتمع العربي الذي يؤمن بأفكار رجعية عن المرأة ويحب أن يراها متجسدة أمامه، يجعل القنوات تتسابق على إرضاء المتلقي العربي. حتى وإن حاولت القنوات إدخال برامج تمكينية للمرأة ضمن القناة، نجدها تناقض نفسها بعد نصف ساعة في برنامج أو مسلسل يتحدث بالعكس تماماً.

 فلنجرّب أن نقلب على برامج الستالايت في العالم العربي، عندها فقط سندرك مدى الشيزوفرينيا التي تمارسها القنوات على عقل المشاهد، وإذ أنني جرّبتُ ذلك مرة على إحدى القنوات العربية الرسمية وكانت النتيجة غير مفاجئة. الأمثلة التي وضعتها هنا، ليست إلا أمثلة عشوائية، لا تهدف سوى خدمة الفكرة التي أحاول توضيحها.

الساعة الثالثة عصراً: برنامج يستضيف شيخ يتحدث عن أنّ شهادة المرأة تُعتبر نصف شهادة الرجل في الأمور المالية، بادّعاءات خاطئة عن طبيعة عقل المرأة وكيانها. لا بل يستخدم الشيخ كلمات مثل ” الإعجاز العلمي” لإقناع الجمهور بالرغم من أن المعلومات التي يهرف بها، مغلوطة علميا.

 

فاصل إعلاني : دعاية عن مسحوق غسيل تتحدث فيه ممثلة مشهورة مع النساء فقط ( كأنّ مسحوق الغسيل اختراع للمرأة فقط)

 

الساعة السادسة مساءا : برنامج يتحدّث عن تمكين المرأة ، بحيث تنتقد فيه الضيفة أغلب الأمور التي ذكرتها آنفا

 الساعة التاسعة مساء: مسلسل يقلل من شأن “النسوان”.

كانت هذه تجربتي، وأراهن أنكم ستجدون نفس النتيجة. كلما تابعت برامج التلفزيون العربي أغضب وألعن الفصام المعروض.  لكن للأسف ، إنها حلقة مفرغة بين سذاجة المتلقي واستغلال العارِض!

إنّ الحقيقة الواضحة على الرغم من إنكارنا لها هي أن الإعلام، وبخاصة المرئي والمسموع، يلعب دور المخادع مع الإنسانيات.  إذ تقول الكاتبة نوال السعداوي :

[quote font_size=”14″]” يلعب الإعلام الحديث الدور الأكبر لتغطية الحقائق المادية بستائر من الروحانيات “[/quote]

 لذا إنّ الدور الأساسي يقع على عاتق الأفراد الأكثر وعياً لينقلوا صورة عن المرأة  تغاير تلك الصورة النمطية التي إعتمدتها برامج التلفزة.  فلن يعرض الممول إعلاناً لمسحوق غسيل تتغنى فيه إمرأة إذا ما تأكد أنه ستنتظره خسارة مثلاً. وخاصة أن للتلفزيون أثر كبير على عقول المشاهدين.

في دراسة عن العلاقة بين المرأة ومشاهدة التلفاز، لكل من الباحثان روبرت جينسن من جامعة براون وايميلي اوستر من جامعة شيكاغو،  تبيّن أن للتلفاز تأثير قوي وإيجابي على النساء.  شملت الدراسة 2700 عائلة في قرى نائية في الهند في الفترة ما بين 2001 و 2003، وهي الفترة التي وصل التلفزيون لهذه القرى.  استخدم الباحثان ثلاثة معايير لقياس تأثير التلفزيون على النساء؛ المعيار الاول هو استقلالية المرأة من ناحية قدرتها على اتخاذ بعض القرارات المحدودة مثل التسوق أو الصحة …الخ.  أما المعيار الثاني فهي نظرتها إلى العنف ضد المرأة، مثال ضرب الزوج لزوجته.  والمعيار الثالث هو تفضيلها للأولاد الذكور.  لاحظ الباحثان تغييراً ملموساً على القضايا المذكورة.  بدايةً تحسنت استقلالية المرأة بما يعادل تحسن خمس سنوات.  أما نظرتها  لضرب الزوج لزوجته فقد قلت بنسبة 10% وقل تفضيلها للاولاد الذكور بنسبة 12%.  ما هو السبب في هذا التغيير يا ترى؟

يعود سبب التغيير إلى أن النساء تعرفن للمرة الأولى إلى مجموعة من النساء (الشخصيات التلفزيونيّة) اللواتي يتشابهن معهن بالمشاكل، ولكن يختلفن في طريقة مواجهة هذه المشاكل.  فالنساء في المسلسلات قويّات وجميلات ولديهن القدرة على السيطرة على أموالهن وحياتهن الخاصة.  وبالرغم من أن السلطة والحُريّة التي تمتع بهما النساء في المسلسلات موجودة في سياق التلفزيون الإفتراضي،  إلا أن هذا السياق انعكس ايجابياً على الواقع،  وأصبح للنساء مجموعة من الأمثلة التي يستطعن مقارنة أنفسهن بها ويتخذنّها أنموذجاً يحتذين به. كنتيجة، تغيرت مواقفهن حيال بعض القضايا المفصليّة في حياتهن.

اليوم و بمناسبة اليوم العالمي للتلفزيون والذي يصادف 21 نوفمبر\ تشرين الثاني، نتساءل هل يستحق التلفاز العربي كلّ هذه الثقة؟ وكيف سنحوّل توجهاته إلى صالح الوعي؟  

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *