';

تفسير بديل لموضوع تعدد الزوجات، ما بين المنطق والدين

بقلم شذى الشيخ

لم يكن ذلك الفيديو الذي يُزّفُ فيه شابٌ لعروسين في نفس العرس، بالفيديو الصادم بالنسبة لي، فأنا صدقاً لا يمكنني أن أتوقع أن تصدر تصرفاتٍ سويّةٍ وإنسانيّةٍ من مجتمعٍ يجعل من النفاق صفةً ملازمةً لكل أفعاله وأقواله، ومجتمعٍ يرى أن الزواج بمثنى وثلاث ورباع هو عبارة عن نصر لله وللدين الإسلامي. متجاهلين ومتناسين الظروف التي سمح فيها الدين الإسلامي بتعدد الزوجات على حساب فكرة الذكورية. فالمجتمعٍ يُربي الذكور منذ الصغر على فكرة أن رجولتهم وفحولتهم تتمثل بعدد خليلاتهم، لا بأفعالهم أو بصفاتهم أو بإنجازاتهم. 

بالنسبة لي، شعرت بأن ردود الفعل والتعليقات بإتجاه هذا الفيديو تمثل قمة الإنحدار العربي الإسلامي، وخاصة من أولئك الذين تجرأوا على استخدام كلام الله، خارجاً عن سياقه، ليبرروا مثل هذا الموقف اللأخلاقي واللاديني، والذي يحط من كرامة الفتيات وأهاليهن.  وسأمتنع بالحكم على العرسان في هذه الحاله. ولكن وفي نفس الوقت، لا يوجد رجل سوي أو امرأة سوية -أونساء سويات في هذه الحالة – أوعائلة في كامل قواها العقلية أو حتى مجتمع سوي ممكن أن يتقبل مثل هذا الحفل. 

أما في حالة عدم وجود سبب، فاتساءل عن الحدود الربانية والبشرية؟ أين تطبق شروط الاحتشام والتواضع والعدل في مثل هذا الموقف؟ والى أي مدى يستطيع المجتمع الذهاب في قبول اللامنطقي لتبرير الذكورية؟

دفعني هذا الفيديو الى البحث عن وجهات النظر والتفاسير العلمية والمنطقية التي استخدمها بعض علماء الدين في تفسير الآية ٣ من سورة النساء. وقد ارتأيت أن ألجأ الى تفسير الدكتورالسوري محمد شحرور لهذه الآية من الناحية اللغوية والتاريخية لنزول الآية، للإجابة عما إذا كانت الرسالة المحمدية قد أباحت تعدد الزوجات دون قيد أو شرط.  بالإضافة الى الخوض في بعض التبريرات والأسئلة التي يطرحها الكثيرون حول هذا الموضوع الجدلي، مثل اعتقاد البعض بأن عدم إنجاب المرأة او مرضها يبرر للرجل الزواج من أخرى،  وبأن الشبق الجنسي للرجل يسمح له بالتعددية.  

لنبدأ في الآية:  {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} 

نسبة الى الدكتور محمد شحرور، فإن التعددية الزوجية مذكورة في الدين الإسلامي، ولكن بشروطٍ. الا أن الناس قد أغفلت هذه الشروط، بسبب قراءتهم الدائمة لآية التعددية الزوجية مقتطعة من سياقها العام. والسياق العام في حالة التعددية يتعلق باليتامي والأرامل.  كيف ذلك؟ 

لنبدأ بالتعريف. اليتيم في اللغة العربية وفي الشريعة الإسلامية هو الشخص القاصر وفاقد الأب، بغض النظر عما إذا كانت الأم حية أم لا.  هذا يعني انه لا يوجد شخص راشد و يتيم بنفس الوقت، لأن اليتم متعلق بقصور العمر. المطلوب من المسلم أن يقسط باليتيم. والقسط هو البر، وهو أمر فردي من شخص لأخر، وهو مختلف عن العدل الذي يتعلق بوجود طرف يعدل بين طرفين مختلفين.  فإن المسلم إن أراد أن يعتني باليتامى ورعايتهم والمحافظة على أموالهم حتى بلوغهم سن الرشد، وخاف الا يبر(يقسط) فيهم، فيحق له أن يتزوج من أمهاتهم الأرامل. بحيث يضم أولادهن الى أولاده على أن يعدل بين الأولاد. والمقصود بالعدل في الأية هو العدل بين الأولاد وليس بين النساء. وفي حال خاف الرجل من العول (كثرة العيال) وهو عالم بأنه لا يستطيع إعالة أولادها مع أولاده، فيظلمهم، فعليه ألا يقدم على هذه الخطوة، بل عليه بأن يكتفي بزوجة واحدة فقط.

فنستنتج من الكلام بأن هناك شرطان للتعددية: الأول أن تكون الزوجات أرامل و أمهات لأيتام. والشرط الثاني هو الخوف من عدم القسط إلى اليتامى. 

كما أن الله تعالى يقول {ما طاب لكم} وليس {ما شئتم} أي أن يتزوج الرجل الأرملة عن طيب خاطر، فهي فقدت معيلها والظروف اضطرتها للقبول، فلنرفأ بحالها ونكرمها. 

ومن هنا نفهم بأن التعددية المسموحة هي تعددية ذات مفهوم اجتماعي وليس جنسي؛ هدفها وجود معيل إلى جانب الأرملة ليعينها على تربية أبنائها، وليس تعددية تهدف الى إذلال المرأة أو استغلالها، أو تبرير شبق الرجل. أما من ناحية ثانية، فإن المرض وعدم القدرة على الإنجاب هي حالات تنطبق على الرجل والمرأة. و بالتالي هي أمور لا تبرر الزواج الثاني.

ويرى الدكتور شحرور بأن هذا المفهوم يحل مشكلة كبيرة في حالة الحروب والكوارث، كما يحدث الآن في الأزمة السورية. و في حال قرر المجتمع بأنه قادر على إعالة الأرامل والأيتام بدون اللجوء الى التعددية، فيحق لهذا المجتمع بأن يلغي العمل بالتعددية. فالمجتمع يقر بالعمل بالتعددية أو الغائها. والقراران صحيحان. لكن إذا ما قرر بلد ما بإلغاء التعددية،  ثم قرر أحد الأفراد مخالفة هذا القرار، فيحق للقانون أن يعاقبه دون اعتباره زاني، لأن القانون يبيح ويمنع لكنه لا يحلل ويحرم.

وبناءً على هذا الرأي العلمي، والذي يتسند فيه الدكتور إلى القاعدة الفقهية التي تقول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وحتى وإن اتبعنا التفسير التقليدي للآية فبناءً على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم والذي يقول فيه “للبكر سبع وللثيب ثلاث”؛ أي أن عليه أن يقيم مع عروسه الأولى سبعة أيامٍ كاملة، فإن الزواج من امرأتين في نفس الليلة هو أمر منافي للدين و الأخلاق. 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *