';

لن أنتظر زوجي لكي أسافر… سأسافر وحدي

كنابة وتصوير رحمة المغربي

عندما كُنتُ أجلس وأصدقائي ونبدأ بالحديث عن أسفارهم وما عايشوه من مغامرات ، فإنني حينها كنتُ أعلم بأنني كالأطرش في الزفة مع ابتسامةٍ بلهاء وذلك  لعدم امتلاكي أدنى فكرة عمّا يتكلمون. الوضع لا يختلف عندما أُقرر الكتابة عن المرأة في المغرب العربي، فأنا  كالضرير الذي يحاول وصف مشهد الشروق .

رغبتي بالسفر جعلتني اتفحص الخرائط والشوارع بشبابيكها وأبوابها وصور تلكَ الأماكن التي أود حقاً أن أزورها يوماً ما .. فأتابع كل أخبارها و مُستجداتها رغم علمي المسبق بأنني لن أُمنح الفرصة لألقيَ نظرة عن كثب، فأنا من أفراد هذا الجيل _المنحوس _ الذي يلم بأدق تفاصيل هذا العالم  ويتابعه عن كثب من وراء الشاشات ولكن لا يستطيع لمسه وأحساسه.

 سفري الأول

عندَ عودتي إلى المنزل بعد يوم سبتٍ طويل، مرهق، ومحبط، وأثناء صعودي لدرج منزلي في الظلام، قررت فتح هاتفي المحمول و تصفح الرسائل والايميلات. وإذ برسالة عنوانها “إلى تونس”، دماغي في تلك اللحظة كأنه استقبل لترين من الكافيين دفعة واحدة.. كررت قراءة الرسائل مرة ومرتين وثلاثة متسائلةً هل ما أقرأه صحيح فعلاً.  بينما كنت أردد في عقلي أغنية كلماتها “خلاص الدنيا ضحكتلي وصدقت لما وعدتني”.  تأكدت أن هذه الرسالة موجهة إليّ ، ثم بدأت بالصراخ في وسط الظلمة وركضتُ سريعاً على الدرج لأخبر والدتي.  ظنت والدتي حينها، أن أحداً يلاحقني أثناء صعودي الدرج، أو انني تعرضت للأذى ففرحت لي، كأي أم عربية تتمنى لابنتها أي كم ممكن من السعادة.  القصة وما فيها أنني سوف أسافر الى تونس، التي لطالما تمنيت أن تكون وجهتي الأولى عند سفري.

هل مازال السفر بدون محرم.. حرام؟

babouj

 

 بالرغم من أن سفري  لم يكن مؤكداُ بعد، وملابسي لم تزل مُعلقة، إلا أنني تعرضت للكثير من الاسئلة والاستفسارات ممن حولي ..

[quote] “عادي تسافري لحالك؟ اهلك سمحولك؟ أنا بعرف حرام المرأة تسافر لحالها، انتِ رح تروحي بالطيارة، صح؟ “[/quote]

عزيزتي يا من سألتيني  .. أفكارك خاطئة.  مواقع الانترنت والتلفاز والأخبار والأشخاص الذين أرضعوك  هذه الثقافة التي تستضعفك يومياً، وتقلل من سقف طموحاتك وخبراتك في الحياة هم المسؤولون عن مرحلة الركود الفكري الذي وصلنا لها.

في البداية يا عزيزتي هل سبق لزوجك أو عائلتك أن سافرت، وبقيتِ وحيدة في بلدك؟ يا ترى بعد مغادرتهم، كيف قمت بتسوية أمورك وشراء البقالة والذهاب لعملك أو مشاويرك الروتينية ؟ هل تعطلت؟ لا أعتقد. فأنت تمتلكين لساناً وعقلاً، يدين ورجلين والأهم من هذا كله المال. هذا هو تماما حال السفر .. لا زلتِ قادرة على تحريك لسانك واستخدام يديك في التقاط الحاجيات ورجليك في المشي وركوب التكسي، الباص والقطار.. دون الحاجة لمن يرافقك.

ثانياً، تحريم سفر المرأة “بدون محرم” هو موضوع عليه نقاش طويل، واحزري شيئا، هو لم يُذكر شيء في القرآن الكريم.

شخصياً، مللت من المقدمات الرنانة على وزن ” السفر في عصرنا، لم يعد كالسفر في الأزمنة الماضية”، لتبرير “جواز السفر” للمرأة بدون محرم.  منطقيا، هل يعقل أن نتلو على المرأة مجموعة أحاديث تنطبق على زمن الجاهلية، الان في عصرنا هذا، حيث أصبحت المرأة  سفيرة لبلدها،  ووزيرة خارجية ورئيسة دولة في كثير من الاحيان؟  قبل أن أبدأ أعطيك دليلا من الحديث، لأن سفر المرأة لم يذكر إلا في السنة النبوية ، أريد التنبيه الى قاعدتين

الاولى : التفرقة بين العبادات والعادات، وأنه غلب في باب العبادات جهة التعبد، وفي باب العادات جهة الالتفات إلى المعاني([1]) فإن الأصل فيها هو التعبد والامتثال، دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد . كما قرر ذلك الإمام الشاطبي ووضحه واستدل له. ([1]): الموافقات (2/396).

الثانية : إن ما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، أما ما حرم لسد الذريعة فيباح للحاجة . ومن هنا نرى ان السفر عادة وليست عبادة، وأن سفر المرأة بغير محرم، حُرّم في الماضي سدًا للذريعة. 

أما دليلي فهو حديث عدي بن حاتم عند الإمام أحمد الذي قاله الرسول في سياق المدح ورفعة الإسلام في المستقبل، ما رواه الشيخان من حديث عدي بن حاتم، فقد حدثه النبي – صلى الله عليه وسلم – عن مستقبل الإسلام وانتشاره، وارتفاع منارة في الأرض. فكان مما قال

[quote] ” يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة (بالعراق) تؤم البيت لا زوج معها، لا تخاف إلا الله … إلخ “[/quote]

حيث استدل الرسول بسفر المراة دون محرم على رفعة شأن الإسلام.  وكملسمة لا أتصور أن الرسول عليه الصلاة والسلام سوف يستدل بمنكر وشيء فاحش كي يثبت علو الدين ورفعته .

إلى هُنا دينياُ اكتفينا بالأدلة، وبقي عليك عزيزتي، استعمال عقلك في التحكيم قبل التفوه بفتاوي ليس لها أي أساس علمي مبنى على ظروف الحياة التي نعيشها الآن.

بدأت الرحلة

FullSizeRender (4)

يقولون في الأمثال الشعبية “أن كل تأخيرة فيها خيرة”، فقد كان التأخير في حجز رحلتي خيراً لي، حيث كانت تذكرتي الوحيدة من بين المشاركين الأردنيين التي تختلف في الرحلة، الوقت، و شركة الطيران، وحتى الدول التي سأمّر بها، وهذا أكسبني خبرة زخمة في السفر. في ليلة سفري، كنت كالطالبة التي تنتظر بزوغ الفجر لتنطلق في رحلة مدرسية مع اصدقائها، وكان الفرق الوحيد هنا أني لم أعد طفلة، وصديقاتي لن تكن معي. بالفعل بزغ الفجر، وودعت والدي ووالدتي.. حملت حقيبتي وودعت من أستطعت توديعهم على الهاتف أثناء ذهابي إلى المطار.

وصلت المطار.

دخلت من باب المغادرين لأول مرة، وحجزت مقعد بجانب شباك الطائرة لأول مرة، وحوّلت المال من عملة الى أخرى لأول مرة، وسمعت نداء الطائرة لأول مرة. كما انّي استعملت حمام المطار لأول مرة. ها أنا رحمة التي اقتصرت مغامراتي في الحياة على حدود عمّان والمحافظات المجاورة. ها أنا رحمة التي لم أر المطار في حياتي يوماً، ها أنا أصعد درجات الطائرة الجزائرية حاملة حقيبة الظهر. قررت بأن أسافر الى الأمام، تاركة خلفي مشاكلي وهمومي اليومية وجلي الصحون ، تاركة ورائي هم المجتمع والسياسة والسياسة والسياسة…

 لم أشعر بالخوف أبداً وذلك لسببين ، الأول هو ان الصوت الطائرة أثناء الانطلاق يشبه صوت غسالتنا في مرحلة التنشيف، والثاني، حلمي في السفر –لو لعشرة ايام-  يتحقق.. لا وقت للخوف والتوتر، الوقت موجود لأفتح عيناي جيداً وأعيش اللحظة إلى أقصى الحدود.

4 ساعات مع سماح

14801074_1103090426411076_2076474816_n

تعرفت على فتاة جزائرية في نفس عمري تُدعى سماح على متن الطائرة، سماح كانت عائدة لمنزل عائلتها وحدها، بعد انتهاء شهر عسلها مع زوجها اليمني الذي ولد وترعرع في السعودية، كانت سعيدة جداً ببزواجهم بعد معاناة 4 سنوات ما بينن ظروف عائلته وعائلتها. لأكون صريحة عندما عرفت بأن زوج سماح يمني ومقيم في السعودية، جددت الوعد بأن لا أقحم نفسي في السياسة، فلم أناقش أوضاع اليمنيين في السعودية، وأبقيت النقاش معها ضمن “حكي البنات”.  كنا نملك ما يقارب 4 ساعات ونصف في فوق البحر الأبيض المتوسط، لكي نتكلم عن مخاوفنا وطموحاتنا.  أخبرتني سماح عن تجربتها المتواضعة في زواجها الذي بلغ عمره شهرا واحدا، والفرق الشاسع بينه وبين الـ 4 سنوات خطبة.  وأنا أخبرتها عن بعض مخاوفي المستقبلية، وبالطبع بعض المشاكل الشخصية العالقة، والتي لم أجد لها حلاً، عسى أن ترى شيئاً لم أنتبه إليه.  شعرت بأنني أعرفها منذ ولادتي. ووجدت نقاطا مشتركة بيني وبينها أكثر من تلك النقاط بين أصدقائي الذين ترعرعوا معي في نفس الثقافة والبلد.  وهذا ما فاجأها هي أيضاً ، فكل منّا تقطن في بلد آخر، وكل منا تتكلم لهجة ولغة مختلفتين، زمع ذلك نحن متشابهتين. الوقت غدر بنا أنا وسماح، فنسينا أن نتبادل الأرقام وحسابات الفيسبوك، ظناً منّا أننا سنجلس ساعات أخرى في المطار نتبادل أطراف  حديثنا غير المكتمل قبل صعودي لطائرة رحلتي الثانية التي ستوصلني لوجهتي “تونس”. ولكن للأسف فرقتنا الحواجز والحدود في المطار، فقد ختم شرطي جوازها وأخبرها أن تدخل بوابة الجزائر، وأنا أعطاني تذكرتي، وأخبرني بان أتوجه  إلى قاعة المغادرين، لأني لا أملك فيزا استطيع تخطي فيها هذه الحواجز. ربما في رحلة أخرى، سألتقي سماح ونكمل حديثنا غير المكتمل.

أخيراً.. أتنفس تونس

FullSizeRender (2)

وصلت تونس… دخلت  في الباب الدوار. صوت عصافير تونس يتراقص في الأشجار، هواءها الرطب يعانقني بخفة، ورذاذ أمطارها يربت على رأسي بحب…  وضعت حقيبتي جانباً ووقفت لاسرق هذه اللحظة واحتفظ بها في عقلي للزمن، شعرت بأنني أمتلك جناحين استطيع التحليق بهما. هل يا ترى هذاهو تأثير تونس أم تاثير السفر بذاته ؟

Leave a Reply to Anonymous Cancel reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *