';

قصص نساء في سعيهن لتحرير أنفسهن من العبودية في موريتانيا

تخفي موريتانيا في قلب الكثبان الرملية سراً مظلماً؛ فما يقارب ٢٠٪ من الموريتانيين اي ٣،٤ ملايين نسمة، لا زالوا يعتبرون عبيداً بالمعنى الحقيقي للعبودية. حيث يعتبرون ملكاً لأسيادهم، الذين لهم الحق بفعل ما شاؤوا بهم؛ فالأسياد يبعدونهم عن عائلاتهم، يتهادونهم، يغتصبونهم و يستعبدون اولادهم حسب تقرير مفصل للCNN.

ولكن بالرغم من قساوة الواقع، إلا أن هناك اولئك الذين لم يفقدوا الامل، فيكافحون ويكافحون في سعيهم للحصول على حريتهم. 

sand dunes

الكثبان الرملية في نواكشوط. المصدر: CNN

موليخر والطريق الى الحرية

ولدت موليخر كعبدة في الصحاري الشمالية من موريتانيا. قضت طفولتها في العمل الشاق، من رعاية الحيوانات الى الغسيل بدون أي مقابل مادي.  تقول في مقابلة للCNN بأنها كطفلة كانت تكلم الحيوانات أكثر من البشر. ولكن مأساتها الحقيقية لم تبدأ الا عندما بدأت بوضع الحجاب، كما جرت العادة في موريتانيا عند بلوغ البنات. أخذها سيدها خلف منزله، و اغتصبها امام الحيوانات التي كانت ترعاها.  تحملت موليخر العذاب، الا يعلم السيد ما هو الأفضل لها أكثر منها؟ لم تعلم موليخرعندها، بأن تلك الحادثة ستكون الاولى من سلسلة طويلة من الاغتصابات التي ستؤدي الى ستة أطفال. آخرهم هي طفلة لن يكتب لها الحياة لأكثر من  عدة أشهر، وذلك لأن السيد قررأن يعاقب الأم بسبب بطء عملها وهي حاملة طفلتها. رمى السيد الطفلة في الصحراء أثناء رعاية موليخر للماشية، لتعود وترى عيون طفلتها شاخصة، بعد ان فقدت الحياة على الكثبان الرملية البرتقالية. لم يواسيها سوى دموعها وهي تدفن طفلتها بالسر، لأن سيدها قرر بأن روح الطفلة هي روح كلب ولا تستحق حتى الدفن.

 بعد صدور قانون منع العبودية عام ٢٠٠٧ ، تم تحرير موليخر وعائلتها من استعباد سيدها، ليبدأوا حياة جديدة تتسم بالحرية أو على الأقل هذا ما تأملوه، حيث تم ايوائهم لدى عقيد في الجيش الموريتاني مقابل توظيفهم. لم تستطع موليخر تخيل المستقبل الذي ينتظر عائلتها.

16_mauritania0848

 موليخر المصدر: CNN

زليخة: من الدلف الى تحت المزراب

كلما نظرت زليخة للمرآة، ورأت بشرتها الحنطية، تذكرت انها جاءت الى الحياة نتيجة اغتصاب والدتها من قبل سيدها الأبيض. تأملت زليخة بحياة أفضل من حياة أمها، و لكن ذلك كان مجرد حلم. فقد بدأ العقيد بضربها حتى يغتصبها في منتصف الليل بعد ايقاظها بسلك كهربائي أو عصا عندما بلغت الثالثة عشر من العمر.  فكان يجبرها على العمل الشاق طوال النهار  وعلى ممارسة الجنس معة طوال الليل.  و مع ذلك، صبرت زليخة  معتقدة بأن العقيد هو من الأقارب الخيرين، لأنه يؤويها ويطعمها و عائلتها في بلد لا يجد الكثيرون فيه كسرة الخبز. ولكنها سرعان ما تنبهت الى أن الضرب والإغتصاب لا يطالان أولاد سيدها، فأدركت حقيقة وضعها.   في سن الخامسة عشر، حملت زليخة من العقيد، وكأي أم ساورها شعورالخوف على جنينها، فحاولت اخفاء حملها عن سيدها. كانت تخاف من اليوم الذي سيولد فيه طفلها، ولكن طفلها لن يولد حيا؛  ففي الشهر التاسع من حملها، وضعها العقيد في شاحنة صغيرة، وقاد بسرعة جنونية على طريق وعرة حتى تجهض طفلها. نجحت خطة السيد، ولكن دون ان تخلق لدى موليخر و ابنتها زليخة غضبا ورغبة في الحرية.

مولخير ياربا وابنتها زليخة تعرضو للضرب والإغتصاب من قبل أسيادهم.  استطاعو كسر قيود العبودية بعد معاناة لا يمكن تصورها

مولخير ياربا وابنتها زليخة. المصدر: CNN

 أطلق سراح كل من موليخر وابنتها زليخة بمساعدة منظمة نجدة العبيد الحقوقية، ولكن ذلك لم يكن سهلا، لان الكثير من العبيد لا يعرفون غير العبوديه، ويفضلون الحياة مع اسيادهم مقابل إطعامهم. فالمثل السائر”رُب عتق شرّ من رِقّ” لا يأتي من فراغ.  السبب الوحيد الذي أدى الى حرية موليخر وزليخة هو رغبتهما وكفاحهما لنيل حريتهما. هما تعيشان اليوم في العاصمة الموريتانية، نواكشوط، حيث تعلمتا الخياطة وهما تخططان لشراء آلة خياطة لتفتحا متجر ملابس.

salikha

زليخة في معمل الخياطة. المصدر: CNN

ميمونة وسلامة بنت مبارك

بعد المحاولات العديدة التي قامت بها سلامة لإقناع أختها الصغرى ميمونة، بأن الهرب من سيّدهما أمر يستحق المجازفة،  تجرأت سلامة بنت مبارك (١٧ عاماً) واختها الصغرى ميمونة (١٣عاماً) على الفرار من الواقع المؤلم في عام ٢٠١٢.  لم تأخذا معهما سوى قارورة ماء ورضيع سلامة الصغيرالذي نتج من اغتصاب سيّدها لها.  فكانت عائلتهن خلفهن، والصحراء الشاسعة أمامهن. 

بدأت معاناة الفتاتين في سن مبكرة، فقد توفي والداهما عندما كانت سلامة في السابعة من عمرها وميمونة في الثالثة .  فاضطرتا للعمل ساعات مضاعفة لتغطية مكان والديهما. عرضتا للبيع، واشتراهما سيّد جديد.  أجبرهن على العمل في الصحراء القاحلة؛ سلامة ترعي قطيع إبل، وميمونة قطيع من الأغنام.  هناك تعرضتا لظروف عمل سيئة ومهينة، بحجة بناء قدرات التحمل لديهن. فكان لا يسمح لهن بالجلوس مع العائلة في وقت الاستراحة؛ كما كنّ يتعرضن للعقوبة لأسباب واهية فيتركن في حر الصحراء بلا حماية، ويحرمن من الماء والطعام ليومين متواصلين لأتفة الاسباب. ولكن عند ولادة طفل سلامة نتيجة الاغتصاب قررت بأنها تريد حياة أفضل لإبنها.  تمت مساعدتهم من قبل مؤسسة  نجدة العبيد غير الربحية  حيث وجدتا بر الأمان.

 تقدمت كل من ميمونة وسلامة بقضية للمحكمة، وبعد إنتهاء اجراءات القضية، وتقديمها لرئيس الوزراء، صدر حكم بإعطائهن تعويض مالي(١٧ دولاراً)، من صندوق البرنامج الذي يهدف للقضاء على أشكال الرق والعبودية.  الملفت في الأمر أن الحكم لم يشمل العثور على أخوتها وعائلتهن، وإنقاذهم من العبودية، كما تم غض النظرعن مقاضاة أسيادهن، على الرغم من تجريم العبودية في الدستور الموريتاني.

Maimouna Mint Mbarekسلامة وشقيقتها ميمونه بنت امبارك. المصدر: Lissnup

سكايرا 

ولدت سكايرا لأم عبدة، وبالتالي اعتبرت هي الاخرى عبدة.  ذكرت سكايرا في مقابلة للBBC  بأن ذكريات طفولتها تدور جول احضار الماء، رعاية الحيوانات، التنظيف والطبخ، بدون أي مقابل مادي.  كما ذكرت بأنها كانت مقيدة بسلاسل طوال الوقت، الا عندما كانت عليها القيام بعمل ما. وكباقي القصص، عانت سكايرا من الاغتصاب. فطفلها الاول من سيدها، و طفلها الثاني من ابن سيدها، وطفلتها الثالثة من ابن أخ سيدها.  أقسمت سكايرا الا يكون أطفالها عبيدا، فهربت وكتبت لها ولأطفالها النجاة. للأسف لا توجد الكثير من المعلومات عنها.

سكايرا

سكايرا. المصدر: BBC

بالرغم من صدور قانون يجرم العبودية، الا انها لم تنته بعد في موريتانيا. وخاصة بسبب غياب الرغبة السياسية في القضاء على العبودية، فلا تقوم الحكومة بتطبيق القانون فحسب، بل تعمد الى عرقلة الامور وتضييق الحريات على المنظمات الحقوقية التي تقوم بالعمل في سبيل تحرير العبيد وتحسين أوضاعهم. لا بد من الذكر بأن النساء اللواتي ذكرت قصصهن هنا، هن لسن الوحيدات في النضال لنيل الحرية. هناك عشرات القصص المشابهة. تكتب لبعضهن النجاة وتعاقب الاخريات بقسوة بسبب محاولاتهن لتغيير حياتهن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *