';

أزمة لاجئين أم أزمة إنسانية؟

بقلم شذى الشيخ وتصميم ديميتري زرزر

3jpb

لاجىء سوري يبكي فرحاً بعد وصوله هو وأبناؤه بسلام إلى اليونان. تصوير: دانيل إتِر

شريط الأخبار مليءٌ برائحة الموت. القنوات العربية والعالمية تكاد تنفجر من كم الأشخاص الذين يظهرون عليها يومياً لينشروا نفاقهم الوطني من جهة والديني من جهةٍ أُخرى. وكلّهم، بدون استثناء، يستخدمون حججهم في تبرير حروبهم وصراعاتهم؛ فهذا يستخدم اسم الحرية وذاك يستخدم اسم الله، وما بين هذا وذاك تُزهقُ مئات الآلف من الأرواح البريئة سنويّاً.

المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة، أعلنت منذ أيام أن أكثر من 300 ألف مهاجر عبروا المتوسط منذ بداية عام 2015، وأن 2500 شخصاً منهم غرقوا في البحر، قبل أن يصلوا شواطىء اليونان أو إيطاليا.

CM7R20XWEAQwIKg

لاجىء سوري يلوذ عن طفله خلال اشتباك الجيش المقدوني مع اللاجئين السوريين الذي يحاولون عبور الحدود إلى مقدونيا عبر اليونان. المصدر: Aha Online

أنا حقيقةً لا أفهم استخدام العالم لمصطلح “لاجىء غير شرعي”، فاللاجىء لولا أن أوصدّت جميع أبواب النجاة “الشرعية” في وجهه، لما اضطر إلى سلك طرقٍ “غير شرعيةٍ” للعيش بسلامٍ وكرامةٍ بعيداً عن الصراعات والحروب. ولولا أن المياه بالنسبة لهؤلاء الناس أصبحت أكثر أمناً من الأرض التي يقفون عليها، لما وضعوا أنفسهم وأطفالهم في تلك الزوارق الهشة وحاولوا الهروب. ولولا قيام الدول الغربية باستثمار صناعتها للسلاح في الحروب والنزاعات القائمة في المنطقة، وقيامها بالتدخل عسكريّاً وسياسيّاً في الدول العربية، لما تحوّلت هذه الصراعات إلى حروبٍ أهلية مُستنزِفة تتساوى فيها قوة المجموعات الإرهابية والمعارضة المسلحة بقوة الجيوش النظامية، وبالتالي لما اضطر هؤلاء الى ترك بلادهم والتوجه إلى البلاد الغربية.

وفي قضية الموت والتهجير هذه، يبقى عدم استقبال الدول العربية المقتدرة مالياً واقتصادياً، لإخوانها العرب أكثر الأمور إيلاماً. فالسوريون والفلسطينيون والليبيون وغيرهم من اللاجئين ليسوا بحاجةٍ لخطاباتٍ رنانةٍ، تدعم حقهم في الثورة والحياة الكريمة؛ هم بحاجةٍ لمن يضمهم إليه، لمن يوفر لهم ولأولادهم ملاذاً آمناً من هذه الصراعات، التي لن ينتصرَ فيها إلّا الأكثر ظلماً وقساوةً لا الأكثر عدلاً وانصافاً.

Austria_migrants_t_3420871b

الشاحنة التي عُثر عليها قرب حدود النمسا وفيها 72 لاجئ سوري ميت. المصدر: تليغراف

ولأن القدر لا يجيد شيئاً بقدر إجادته للسخرية، كانت جملة “مذاقي لذيذٌ جداً لأنهم يُطعمونني جيّداً”  شعار شاحنة الدواجن الهنغارية التي عُثِرَ فيها على 71 جثةٍ شبه متحللة لمهاجرين سوريين – بينها ثماني نساء وأربعة أطفال- قرب حدود النمسا.

عند قرأتي للخبر ورؤيتي للشاحنة التي كان قد تركها الأربعة مهربين مغلقةً بإحكام على قارعة الطريق، تذكرت غسّان كنفاني والجملة التي قالها أبو الخيزران وهو مسنداً رأسه فوق المقود في رواية رجال تحت الشمس “لماذا لم تدقوا جدران الخزّان؟لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟”. لقد أحسست بداخلي بأن التاريخ لم يكتفِ بالموت الذي لحِق بالفلسطينيين وسط الصحراء، فبدأ باستجداء الموت ليقبض على أرواح أولئك الذين كدّسوا أنفسهم في شاحنةِ دواجن على أمل الحصول على فرصةٍ للعيش.

كان بامكاني

لم يتحرك المجتمع الدولي حيال هذا الموضوع إلّا بعد أن حصدت الحروب الدائرة في المنطقة والسياسات اللإنسانية التي انتهجتها الدول الغربية –والتي تمثلت في عدم إعطائهم فيزا وايقاف طلبات اللجوء الإنساني وعدم استقبال اللاجئين إلّا المسيحيين منهم- مع السوريين، أرواحهم.

وأتساءل دائماً، كم من الناس يجب أن يموتوا ويضحّوا بأنفسهم وأطفالهم من أجل أن يتّنبه العالم وشعوبه إلى أن عدم استقبال اللاجىء يُعادل في لاإنسانيته قتل النظام أو المعارضة له في بيته؟

A woman kisses the arm of a police officer after crossing Greece's border into Macedonia near Gevgelija, Macedonia

لاجئة سورية تُقبِّل يدّ جندية في مقدونيا بعدما استطاعت عبور الحدود من اليونان. المصدر: Le Monde

بعض الدول تحركت بعد أن تعرضت للعديد من الضغوطات من قبل شعوبها ولاجيئها الذين كتب الله لهم الوصول إليها. حيث قامت ألمانيا مؤخراً باستئناف قبول طلبات الفيزا من السوريين، بالإضافة إلى بدئها بالعمل بقانون توطين اللاجئين السوريين وتخلّيها عن القانون الذي كان ينص على إعادتهم إلى الدول التي دخلوا منها.

حملة التبرع التي كان قد نظّمها الناشط السويدي جيسور سيمونارسون بهدف جمع تبرعات بمقدار 5 آلاف دولار خلال15 يوماً للاجىء السوري الذي انتشرت صورةٌ له وهو يبيع الأقلام في لبنان حاملاً ابنته الصغيرة، استطاعت ان تثبت للجميع أن تعاطف الناس مع بعضها البعض أكبر من أن ينحصر بمبلغٍ وقتٍ معينين؛ فالتبرعات لهذا اللاجئ وصلت إلى 75 ألف دولار خلال 24 ساعة فقط.  

CNib_G3UEAAeqnK

اللاجىء السوري الذي انتشرت صورته حول العالم وهو يحمل ابنته ويبيع الأقلام في لبنان. المصدر: CNN Arabic

الدروس التي يجب أن نستخلصها من تجربة الحرب والتهجير التي حصلت عبر التاريخ كاملاً هو أن أن تغيير الوضع القائم للاجئين وحل أزمتهم يكمن في تحرك الشعوب لا في السياسات التي تتبعها الحكومات مهما كانت جيّدة. فالسياسي لا يهمه في النهاية إلّا السياسة التي توفر له راتباً كبيراً. أما الشعوب فإن تملّكتهم العاطفة والإنسانية، استطاعوا الإطاحة بكل من يقف وراء قتل الآلاف وتهجير الملايين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *