';

1900 -1987 الجزء الأول:المرأة الفلسطينية عنوان النضال الوطني ضد المحتل

 بقلم شذى الشيخ

2062R0e

محاربات فلسطينيات يقمن بصيانة البنادق في المخيمات الفلسطينية في بيروت. المصدر: Reddit

في فلسطين الآن شعبٌ ينتفض للمرة الثالثة في تاريخه، رغماً عن أنف محتلّه الهمجي ورغماً عن أنف سلطته “المنتهية مدتها”. هناك في فلسطين، يقف الفتيان والفتيات صفاً واحداً  في وجه الدبابات والرصاص كما كانوا يفعلون وهم تحت الانتداب البريطاني وكما كانوا يفعلون قبل وأثناء النكبة والنكسة، وكما علّمتهم الانتفاضتان أن يفعلوا. 

اليوم في فلسطين، تخرج الفتيات كما جرت العادة لحماية عائلاتهن وبيوتهن وقراهن ومدنهن وأراضيهن.  يخرجن لأن المرأة الفلسطينية لم تتوانى يوماً عن المشاركة في بناء بلدها، ولم تتخلَ يوماً عن حقها في المشاركة بالدفاع عنه بالسلاح أو بالترويج لعدالة قضيتها في المحافل الدولية. لذلك استغرب من المفاجأة التي أصابت الشعب العربي لرؤيته فتيات الضفة وهنّ يحملن الحجارة ويقذفن المولتوف، وكأنهم لأول مرّة يرون المرأة الفلسطينية وهي تحارب العدّو. وكأنهم لم يسمعوا يوميّاً عن الحركات النسائية المسلّحة التي حاربت العصابات الصهيونية عام 1948، وعن النساء اللواتي انخرطن في العمل الفدائي في فلسطين، سوريا ولبنان والأردن وقمّن بضرب العدو الصهيوني في أكثر مناطقه حساسيةً. 

Leila_Khaled_in_Damascus

أين كان العرب عندما قامت هذه الفتاة (ليلى خالد)  بخطف طائرةٍ أمريكية وجعلها تمرّ فوق الأراضي المحتلة وتحطً في سوريا؟ أين كان هؤلاء الذين يقولون بأن المرأة “مش قدّ الحجر” عندما قامت ليلى خالد بعملية خطف الطائرات وبفضل شجاعتها توجهت أنظار العالم أجمع نحو القضية الفلسطينية؟ 

كلّ ردود الافعال هذه تغاضيت عنها، ولكن ما لم أستطع فهمه أو استعابه هو قيام العديد من العرب بنسيان القضية تماماً، والالتفات للباس الفتيات اللواتي يخرجن لمواجهة العدو. السؤال الذي أطرحه على نفسي الآن هو: يا ترى لو كانت الثوريات العربيات التي كانت مقاومتهن للمحتل سبباً في تحرر بلادهن أو حتى في زعزعة أمن المحتل، هل كان رجال العرب ممن جُرحت مشاعرهم النخوجية اليوم، سيقومون بتوجيه غضبهم -الذي لا يتعدى حدود الفيسبوك- بالطلب منهنّ التزام منازلهن، وترك الدفاع عن الوطن للرجال؟ هل كانوا سيخبرون دلال المغربي، بأنها غير قادرة على أن تكون قائدة لعملية كمال عدوان والقيام بانزال بحري على شواطىء تل أبيب وقتل الجنود الاسرائيليين، لأنها فقط غير محجبة وشعرها “سيشتت انتباه رفقائها الفدائيين”؟ هل كانوا ليخبروا جميلة بوعزّة بأنها غير أهلٍ بزراعة القنابل في المواقع الحساسة التابعة للاحتلال الفرنسي في الجزائر؟ 

وفي سبيل الحفاظ على السجل النضالي الذي سطّرته الفلسطينية بأحرفٍ من ذهب بفضل أعمالها البطولية الاجتماعية والوطنية، من جهل الاغلبية به، قررت كتابة مقالين متتابعين عن شراكة المرأة الفلسطينية مع الرجل الفلسطيني في الدفاع عن وطنهما وعن اقتسامهما للمقاومة السلمية وللبندقية والحجر معاً. وسيتناول مقال اليوم تاريخ النساء الفلسطينيات ومشاركتهن في فلسطين منذ عام 1900 وحتى 1987. 

1- 1948-1900 (قبل الانتداب البريطاني، أثناءه وحتى حدوث النكبة)

100_2910-kopie (1)

نساء فلسطينيات يقمن بجميع تبرعات في يافا لصالح الثورة الفلسطينية عام 1938. المصدر: كتاب Before Their Diaspora لوليد الخالدي

هذه التطورات بدأت منذ قيام النساء الفلسطينيات بإنشاء جمعياتٍ خيرية، هدفها تقديم مساعدات مجتمعية لجميع فئات المجتمع وبالأخص الفتيات. وكانت “الجمعية الأرثدوكسية لمساعدة الفقراء” أول جمعية شكّلتها الفلسطينيات في مدينة عكّا عام 1903، وتبعتها فيما بعد جمعية “عضد اليتيمات الأرثودكسيّات” في يافا عام 1910.

ومع وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني عام 1920، تغيرت المسارات التي كانت تتخذها الجمعيات والمؤسسات النسائية في فلسطين، فتحولت من العمل الخيري إلى العمل السياسي والاجتماعي، حيث بدأت هذه الجمعيات، مع بداية السنوات العشرين من القرن الماضي، بحمل جدول أعمال سياسي وذلك بهدف منح المرأة الحق في التعاطي في الشؤون السياسية في فلسطين. وكانت جمعية السيدات العربيات أول جمعية ينص دستورها على هذا الحق، حيث أسست هذه الجمعية مقرها في القدس عام 1928 ومن ثم أنشأت فروعاً لها في باقي المدن الفلسطينية.

ومثّلت ثورة البراق، نقطة التحوّل بالنسبة للتواجد النسائي على الساحة السياسية في فلسطين، حيث عقدت الحركة النسائية الفلسطينية أول مؤتمرٍ لها عام 1929 وانتخبت لجنة نسائية، ذهبت فيما بعد والتقت المندوب السامي البريطاني، وسمُيّت هذه اللجنة باللجنة التنفذية للسيدات العربيات.

وكانت أبرز انجازات المؤتمر، تكوينه لإطار نقابي سياسي جامع للحركات النسائية في فلسطين، وقيام جمعيات نسائية أُخرى في المدن الفلسطينية الاُخرى.

Arab-Revolt

نساء فلسطينيات يحاربن هنّ والرجال جنباً إلى جنب خلال الثورة الفلسطينية في الثلاثينيات من القرن الماضي. المصدر: كتاب Before Their Diaspora لوليد الخالدي

في الثلاثنيات، بدأ الوضع السياسي في فلسطين بالتأزم. وقتها لم تكن الجمعيات والحركات النسائية تابعة للأحزاب التي بدأت بالظهور على الساحة في تلك الفترة، إلّا أن هذه الحركات تقاسمت دورها الوطني بين المدينة والقرية، فقد قامت النساء الفلسطينيات في القرى بتزويد رجال الثورة في الجبال بالأكل والشرب والسلاح، كما أن العديد منهن انضممن للثورة وتسلّحن من أجل الدفاع عن بلادهن وأرضهن.

أمّا في المدن، فقد قامت النساء بالتجنيد للإضراب عام 1939، كما أنهن حثثنّ النساء الأخريات على التبرع بصيغتهن وحُليّهن للثورة ودعوّن الشعب الفلسطيني إلى مقاطعة البضاعة البريطانية. كما أنهن قمن وهدى شعراوي بإقامة مؤتمرٍ لدعم فلسطين وقضيتها في مصر. بالإضافة إلى ذلك فقد اتخذت الأطر النسائية في المدن من السلاح وسيلةً هذه المرّة لقيادة المشهد الفلسطيني، والدفاع عن الأرض بكل الوسائل. 

2- 1948 – 1967 ما بين النكبة والنكسة

tumblr_m4r97xiWgR1rqli7jo1_1280

مهيبة خورشيد مؤسسة حركة زهرة الأقحوان في يافا، وهي أول حركة نسائية مسلحة منظمة للمحاربة الغزو الصهيوني. المصدر: Google Images

عندما قامت العصابات الصهيونية المسلحة بغزو فلسطين عام 1948 مستخدمة أحدث الأسلحة، قامت كلٌّ من ناريمان ومهيبة خورشيد في يافا بتأسيس حركة «زهرة الأقحوان»، وهي أول حركة نسائية مسلحة تقوم في فلسطين لمواجهة الغزو الصهيوني آنذاك. مهيبة وناريمان قامتا بحمل السلاح وبتدريب الرجال والنساء بأنفسهما على مهاجمة مستوطنات يهودية في المنطقة خلال العام 1948.

adla-kopie

المصدر: Uprooted Palestinians

وبعد أن حقق الغزو الصهيوني مآربه بتدمير القرى وبتشريد أهلها، تشتت الشعب الفلسطيني بفعل النكبة التي وقعت على رأسه وتشتت معه بطبيعة الحال المرأة الفلسطينية والتجمعات التي كانت تأسسها في سبيل خدمة القضية. النساء اللواتي بقين في الأراضي الفلسطينية المحتلة في تلك الفترة، لم يستطعن إنشاء حركات وتجمعات نسائية وذلك بسبب الحكم العسكري الذي أقامه الاحتلال في مدن ال48، والذي منع الأحزاب والتجمعات السياسية، والذي كان كأي نظامٍ استعماريٍ آخر، قمعيّاً وهمجيّاً إلى أبعد الحدود.

Al-Nakba-1948-7

النكبة شرّدت الفلسطينيين نساءً ورجالاً. المصدر: The Muslim Vibe

على الرغم من التشتت الذي عاشه الشعب والحركات النسائية في ذلك الوقت، إلّا أن الفلسطينيات في لبنان استطعنّ فيما بعد لمّ شملهن والعمل على تأسيس جمعيات لمساعدة اللاجئين وتعليمهم وذلك بالتعاون مع هيئاتٍ إنسانية أُخرى.

أما نساء المخيمات فكنّ ولازالن عماد الصمود وروح القضية والشاهد على كل ما حدث للشعب الفلسطيني من قتلٍ وتهجير، كما أن الفضل في زرع حب الوطن والمحافظة على تراثه ولهجته ولابسه وتقاليده، يعود لهؤلاء النسوة اللواتي لم يتخلينّ عن الوطن ولو للحظة.

3- 1987-1967 من النكسة  الى الانتفاضة الأولى

4d4eff5923a41e6aa44ffa34b1052574

شادية أبو غزالة أول فلسطينية استشهدت في حرب الستة أيام، وذلك خلال محاربتها لجيوش العدو الصهيوني في مدينتها نابلس. المصدر: Google Images

كانت النكسة وخسارة الضفة والقدس ووقوعها تحت أنياب الاحتلال الصهيوني بمثابة التغيير الأكبر على خارطة النضال الفلسطيني النسائي. فالمرأة الفلسطينية خرجت من دائرة المؤسسات والجمعيات إلى دائرة الأحزاب والحركات الوطنية، والتي كانت قد وصلت ذورة نشاطها في تلك الفترة. وانخرطت النساء الفلسطينيات في العمل المسلح وانضممن إلى الحركات الفدائية في فلسطين والشتات، وأثبتن للعالم أجمع بأن الأرض هي ملك النساء والرجال معاً، وأن الدفاع عنها فرض عينٍ على كل شخص بغض النظر عن جنسه.

100110125637aVJi

دلال المغربي قائدة المجموعة الفدئية التي قامت بعملية كمال عدوان في تل أبيب، والتي قامت دلال خلالها بتفجير حافلة اسرائيلية عسكرية وقتل جنود اسرائيليين بداخلها وخارجها. المصدر: Google Images

دور المرأة في الحركات الفدائية كان جداً مؤثراً. ولا يمكنني القول بأنها كانت تنافس الرجال، لأنها بالفعل في تلك الفترة لم تكن بحاجة إلى أن تثبت جدارتها في قيادة العمليات الحسّاسة ضد العدّو الصهيوني، فالفدائي الرجل وقتها كان يرى المرأة كشريكةٍ فعليّةٍ له في ضرب العدو والدفاع عن الأرض.

إبان تلك الفترة، قامت المرأة الفلسطينية بزرع المتفجرات في المدن المحتلة، وبتفجير الحواجز الصهيونية وبضرب المستوطنات وبخطف الطائرات وبمواجهة الجنود، كما أنها واجهت عمليات الاغتيال والاعتقال والتعذيب والنفي والإبعاد عن الأهل والأرض وحتى الدهس بالدبابة كما حدث مع المناضلة الشجاعة فتحية الحوراني عام 1977، إلّا أن كل هذا كان رخيصاً أمام مهاجمة العدو والإثبات له بأنها لم ولن تنسى بأن هذه الأرض أرضها لا أرضه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *