';

1988 -2015 الجزء الثاني: المرأة الفلسطينية والانتفاضات

بقلم شذى الشيخ 

522653_467507896652983_875413431_n

فتاة فلسطينية تساعد شابّاً فلسطينياً في تعديل لثامه أثناء المواجهات الأخيرة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي. المصدر: Google Images

عرف التاريخ الفلسطيني انتفاضتين شعبيتين كبيرتين،  حاول خلالهما الفلسطينيون مواجهة العدو الصهيوني والتخلّص من احتلاله لأراضيهم وبلادهم، التي تشمل خريطتها يافا وحيفا وعكا والجليل وصحراء النقب. لا الخريطة التي تشبه حبّة اللوبية الصغيرة والتي يُروَّج لها في المحافل الدولية.

تاريخ الانتفاضات شهد العديد من التقلبات التي عرفتها مشاركة المرأة، والتي بدأت بدخولها العمل العسكري من خلال انضمامها للمنظمات الفدائية في الدول المجاورة لفلسطين. في الانتفاضة الأولى تميز دور المرأة بقيامها بعدة أدوار عسكرية واجتماعية، الا أنه في الانتفاضة الثانية فُرِضت قيودٍ على مشاركة المرأة في العمليات التي يواجه فيها العدو مباشرة وتم إلزامها فيما بعدوخصوصاً في السنوات الأخيرة منها بالقيام بالأدوار الاجتماعية فقط.

أمّا اليوم، فتشهد فلسطين هبّة شعبية كبيرة تعتمد بالدرجة الأولى على العمليات الفردية المفاجئة وبالدرجة الثانية على المواجهات المباشرة مع قوات الاحتلال. والفرق بين هذه الهبّة التي يرى البعض –وأنا منهم- بأنها تمثل انطلاقة الانتفاضة الثالثة وبين الانتفاضتين الأولى والثانية، هو التطور الهائل للتكنولوجيا.

ففي زمننا هذا، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار ما حدث فيما يسمّى بالربيع العربي، المنبر الأول لكل ما يحدث في فلسطين. ولذلك، فإن حققت هذه الهبّة شروط الانتفاضة، فنحن على وشك أن نشهد انتفاضةً واقعيةً تدعمها انتفاضةٌ إلكترونيةٌ.

12141699_487787724716353_8057240429065383278_n

فتاة فلسطينية في الضفة الغربية تُجهِّز المولتوف “الزجاجات الحارقة” استعداداً لمواجهة جنود الاحتلال الاسرائيلي. تصوير: علي عبيدات

وفي الأسابيع الماضية والحالية، رأينا صور الفتيات تتصدر صور المواجهات التي يقوم بها الشعب الفلسطيني ضد العدو الصهيوني، والتي ينشرها الناشطين على صفحاتهم على الفيسبوك وتويتر. ورأينا أيضاً التعليقات المخزية من قبل عدد لا بأس به من الشباب العربي الذي استفزه لباس هذه الفتيات وشعرهن في الوقت الذي خرجت فيه هذه الفتيات لأن العدو استفزّ وطنيتهن وعقيدتهن بتدنيسه للأقصى، فأثبتن بمشاركتهن هذه أن ناقص العقل والدين في المعادلة الحالية هو الرجل الجالس أمام جهازه يعلّق عليهن ويخبرهن بما يجب عليهّن فعله، لا هنّ.

وفيما يلي تتبّعٌ لمشاركة المرأة في الانتفاضتين السابقتين والتي حصلتا عام 1987 وعام 2000 وأهم الأدوار التي تولّتها المرأة خلالهما والتحديات التي فُرضت عليها سواءً من قبل الاحتلال أو من قبل الأعراف التي تبنّاها الشعب الفلسطيني مؤخراً.

1993-1987 (الانتفاضة الأولى)

img_6227

إمرأة تواجه جندي صهيوني خلال المواجهات التي اندلعت في الانتفاضة الأولى. المصدر: Google Images

بعد مرور 39 عام على احتلال فلسطين واحتقان الأوضاع وتدهورها في البلاد، انتفض الشعب الفلسطين على الظلم والاحتلال والقهر والقتل والاعتقال الإداري والبطالة والأوضاع المعيشية الصعبة. وأدّى دهس صهيوني لعمّالٍ فلسطينيين على حاجز إيرز الذي يفصل غزّة عن بقية المدن الفلسطينية، وقتله لأربعةٍ منه إلى قيام الانتفاضة الأولى والتي عُرفت فيما بعد بانتفاضة الحجر.

لعبت، كغيرها من المرّات، المرأة الفلسطينية دوراً مهماً وأساسياً في دعم الانتفاضة وصمودها، فبفضل مشاركة الفلسطينيات في الاتحادات الطلابية وخلقهم لأطر نسائية وقتها، تم تهييء جميع الظروف المناسبة لنشر التعليم الشعبي بين أبناء عموم الشعب الفلسطيني وبالأخص في القرى وفي المخميات، وذلك بهدف مواجهة سياسية التجهيل التي اعتمدها العدو كوسيلة لإضعاف مقاومة الشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن ما قامت به النساء في سبيل إنجاح التعليم الشعبي ساهم بشكلٍ كبير في إيجاد بنيةٍ تحتيةٍ قوية للأنتفاضة الفلسطينية الأولى.

 لم تدق المرأة الفلسطينية أبواب الحرّية والاستقلال عبر العمل الاجتماعي فقط إبان الانتفاضة الأولى، بل قامت أيضاً بدور المهرّبة التي تزوّد المخيمات المحاصرة اقتصادياً من قبل العدو، بالخبز والحليب، الأمر الذي ساهم بشكل مباشر في صمود الشعب الفلسطيني خلال هذه الفترة العصيبة من حياته. وبعدما فشلت قوات الاحتلال في حصارها وفي تجويع الشعب، قامت بقطع الكهرباء والغاز عن هذه القرى والمخيمات، إلّا النسوة في داخل هذه المناطق قمن ببناء أفرانٍ طبيعية “الطابون”، ليتمكن من خبز الخبز وإطعام أبناء شعبهن.

338

نساء يجمعن الحجارة لمقاومة العدو الصهيوني. المصدر: العربي

وفي مشاهدٍ تشبه المشهد التي تناقلته وسائل الإعلام والتي ظهر فيه نسوة يخلّصن ولداً صغيراً من أيدي جنديٍ صهيوني، قامت النساء خلال الانتفاضة الأولى بدور المخلّصات للشبّان الفلسطينيين من أيدي جنود الاحتلال، كما أن العديد منهم قمن بتهريب العديد من المعتلقين وإيوائهم في منازلهن كأبناءٍ أو أوشقاءٍ لهن.

وكان توفير الأعلام الفلسطينية بين جموع الشعب الفلسطيني، وتهريب الأكل والشرب للمحاربين في الجبال والدخول في المواجهات اليومية مع العدو سواءً في المظاهرات أو في عمليات رشق الحجارة ورمي المولتوف، أمراً إعتياديّاً وروتينيّاً بالنسبة للمرأة الفلسطينية. فلم تمنع الغازات السّامة وعمليات الاعتقال والرصاص الحي حتى النساء الحوامل من الدفاع عن فلسطين وتلقين الأعداء درساً في الشجاعة وحب الوطن.

مشاركة المرأة في الانتفاضة كانت قويّة جداً لدرجة أن الأدارة الإسرائيلية صرّحت وقتها بأن “الحرب هي الحرب، وأن للنساء دوراً فعّالاً في الانتفاضة لذلك يجب اعتقالهن وتعذيبهن إذا لزم الأمر لانتزاع الاعتراف منهن”، ولذلك قامت السلطات الصهيونية بقتل أكثر من 400 إمرأة وباعتقال أكثر من 300 أسيرة خلال الانتفاضة الأولى فقط.  

2000-2005 (الانتفاضة الثانية)

41_16_16_27_9_20131

إمرأة فلسطينية ترفع علم فلسطين أمام جنود الاحتلال خلال الانتفاضة الثانية. المصدر: Google Images

ولأن المرأة الفلسطينية تؤمن بأن كل ما تفعله هو مقاومة وشوكة في حلق بني صهيون، عملت على كل الجبهات في سبيل تأمين كل ما تحتاجه الانتفاضة الثانية لتنجح وتصمد أمام كل محاولات الاحتلال بقمعها وإخمادها.

مجدداً، لم يكن اقتحام شارون ومرافقيه لباحات المسجد الأقصى السبب الوحيد لهبّة الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال، فالتضييقات التي فرضها الصهاينة على الفلسطينيين، وعمليات القتل والاعتقال والتصفية والتجهيل وكل الممارسات الظالمة والقمعية التي يمكن للمرىء توقعها من جيش احتلال، أدت إلى قيام انتفاضةٍ ثانية في الأراضي الفلسطينية المحتّلة.

توسيع دائرة التعليم الشعبي في المخيمات وغيرها، وإنشاء عيادات مدنية لعلاج المصابين من جراء همجية العدو، والذهاب إلى الجامعات والمدارس من طُرقٍ بديلة، وحراثة الأرض وتأمين لقمة العيش للعائلة، والقيام بعمليات فدائية في القدس والضفة وأراضي ال48، كانوا العنوان الرئيسي للدور الذي لعبته المرأة في انتفاضة الأقصى.

2nd-Intifada

فتيات يتظاهرن في فلسطين ضد العدو الصهيوني خلال الانتفاضة الثانية. المصدر: Google Images

ويذكر أن الانتفاضة الثانية شهدت قيام حماس بالقبول لأول مرّة بانخارط فتاة وهي ريم الرياشي في العمل الفدائي ومنحها الضوء الأخضر للقيام بعملية استشهادية في معبر إيرز في غزّة عام 2004، والتي أدّت إلى مقتل 4 جنود إسرائيليين، وذلك بعد ان رفضت حماس عدّة مرات انخراط الفلسطينيات في العمليات الاستشهادية، الأمر الذي كان يدفعهن إلى التوجه نحو الفصائل الأُخرى كما حصل مع دارين أبو عيشة التي بعد أن أوصدت حماس الباب في وجهها، توجهت نحو كتائب شهداء الأقصى (الجناح العسكري لفتح) للدفاع عن أرضها. وكانت العملية التي قامت بها ريم الرياشي بمثابة مفاجأة للشعب الفلسطيني الذي لم يتوقع للحظة أن تقبل حماس بانخراط الفتيات الفلسطينيات في هكذا نشاطات، وللعدو الصهيوني الذي لم يكن يتوقع أن تقوم القسّام بتعيين فتاة لقيادة عمليةٍ فدائيةٍ ضدهم.

وعلى الرغم من كل هذه الأعمال التي قامت بها المرأة في الانتفاضة الثانية، إلّا أن مشاركة المرأة فيها كانت أقلّ ومقيدة أكثر من مشاركتها في الانتفاضة الأولى، فقد بدأت بعض الحركات الإسلامية بالظهور بقوّة على السّاحة، كما أن تبني الشعب للمظهر الإسلامي وضع قيوداً على مشاركة المرأة في الانتفاضة وجعل من مظهرها أساس الحكم على مدى أحقيتها في الدفاع عن أرضها.

هذه الحركات الإسلامية بدأت ترفض مشاركة النساء في المواجهات بحجة أن المرأة غير مؤهلة للتواجد في العمليات العسكرية ضد العدو (متناسيين فترة الفدائيين والفدائيات)، وبعد أن أثبتت ريم ودارين من قبلها عكس ذلك لقيادة حماس، بدأت حماس وغيرها من الحركات الإسلامية بقبول الفتيات ولكن على شرط التزامهن باللباس والمظهر الذي يتوافق مع اسم الحركة.

شهدت الانتفاضة الفلسطينية الثانية اعتقال 900 إمرأة فلسطينية واستشهاد 460 آخريات.

اليوم وانطلاقة الانتفاضة الثالثة

12132568_1202335056475579_343942658659173718_o

فتاة فلسطينية تصوّب “مُقليعتها” التي تحمل حجراً نحو جنود الاحتلال في الضفة الغربية. المصدر: شبكة فلسطين الاخبارية 

منذ أن بدأت احتفالات الصهاينة بالسنة اليهودية الجديدة، بدأت اسرائيل بالتصعيد في القدس، وقامت باقتحام المسجد الأقصى والحرم الابراهيمي أكثر من مرّة، كم أنها اعتقلت العديد من المرابطين والمرابطات ومنعت من هم دون الأربعون السنة من الدخول والصلاة في المسجد.

نساء هذه الهبّة الشعبية اليوم يقرعن أجراس العودة بحجارتهن ومولتوفهن، يواجهن الموت بكوفيتهن الفلسطينية وكحلهن الأسود. وجهاً لوجه مع قوات العدو، يقفن بشموخهن الذي لا شكَ أنهن ورثنه من جدّاتهن وأمهاتهن التي تحكي أعينهن قصة فلسطين وتشير خطوط يديهن إلى القدس وحيفا ويافا.

خروج الفتيات الصغار اليوم يعني أن الجيل الجديد لم يتربى على أوسلو، خروج النساء الفلسطينيات اليوم يعني أنهن لازلن ملتزمات بدرب النضال النسائي الفلسطيني، خروج بناتنا اليوم يعني أن حريتهن تبدأ عندما تبدأ مرحلة تحرير فلسطين، خروجهن اليوم يعني أن فلسطين لن تعود حرّة إلّا إذا انتفض شعبها كاملاً بجميع أطيافه، فكلّهم يقعون تحت أنياب الاحتلال وحصاره وهمجيته، وكلّهم على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم وآراءهم السياسية والاجتماعية لهم الحق في مواجهة العدو.

12143326_1916903538535223_2359917417908010007_n

فتيات يقمن بتجميع الحجارة وتكسيرها في الضفة الغربية، لمحاربة قوات العدو الصهيونية. المصدر: شبكة فلسطين الاخبارية 

وبخصوص الانتقادات التي طالت مشاركة الفتيات في الالمواجهات الأخيرة مع جيش الاحتلال تقول إحدى الفتيات الفلسطينيات في مقابلة أُجريت معها على التلفاز:

“إحنا طلعنا اليوم عشان إحنا بفلسطين متعودين دايماً تكون إيد الشب بإيد الصبية لمّا يجي الموضوع لمقاومة المحتلّ والدفاع عن أرضنا”

فبعد محاولة فرض قيود على المرأة الفلسطينية وحصر دورها بالاعمال الاجتماعية، تخرج فتيات اليوم في فلسطين إلى الشوارع لتحرير نفسهن من هذه القيود، فتحرير فلسطين عملية تشمل التحرر من الظلم الواقع على جميع فئات الشعب بما فيهن النساء، وبالتالي فعودة المرأة إلى الظهور في الصفوف الأولى في المواجهات وإثباتها لمن يروج لفكرة بأن المرأة غير مؤهلة للمشاركة في محاربة العدو بأنه على خطأ، تعني بالدرجة الأولى التمرّد على العرف البالي الذي تبنّاه الشعب الفلسطيني في العقد الأخير. فالصهيانة لم يحتّلوا هذه الأرض بالسلاح فقط، والصهيانة حتى يومنا هذا يجبرون أبنائهم شباباً وبناتاً على القيام بالخدمة العسكرية، فإن كان الشعب العربي يعتقد بأن إقصاء المرأة من عملية التحرير هو شرفٌ للرجال وهو أفضل شيء ممكن أن يقوموا به على الإطلاق فعليهم إعادة حساباتهم جيداً.  

10858435_1205986666110418_8681021162695469160_n

فتيات فلسطينيات يصنعن من الحاجر حاجزاً لمنع القوات الاحتلال الاسرائيلية من التقدّم. المصدر: شبكة فلسطين الاخبارية 

كما أن نساء فلسطين اليوم كاللواتي سبقنهن في العقود الماضية، لم ولن يطلبن رأيكم وموافقتكم على مشاركتهن في حماية بلدّهن، سينتفضن بالجينز والجلباب، سينتفضن بالكوفية والحجاب، سينتفضن بالحجر والمولتوف، سيقفن على خطوط التماس ضد العدو،  وسيكن جزءً من تاريخ هذه الأرض كما كنّ من قبل.  

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *