';

هذربات أم في عالم مليء بالإرهاب

بقلم مريم أبو عدس

أكثر جزئية مؤلمة في أخبار إرهاب الأسبوع الماضي، سواء في بيروت أو العراق أو أفغانستان أو فرنسا، بالإضافة الى كل الأرواح التي أهدرت بدون حق، هي أن مرتكبي هذه الجرائم كانوا صغاراً في السن.  ولعل صورة كل أولئك الشباب الذين تم تضليلهم هي أكثر ما يؤرقني كأم. فأتساءل كيف أحمي إبني بحيث لا ينجر وراء تيار العنف الذي يحيط بنا عندما يكبر. كيف أمنعه بأن يحمل الأفكار، التي أصبحنا نطلق عليها إسم “داعشية”،  عندما تكون هذه الأفكارمحبوكة في نسيج المجتمع بطريقة لا يمكن تمييزها؟ كيف أفسر له بأن كل المبادئ التي تحيط به خاطئة، و بأن كل ما يدور حوله هو ضرب من الجنون؟ 

Muslim women and girls mourn during the funeral of Hezbollah member Ali Abbas Dia, who was killed in the two explosions that occurred on Thursday in Beirut's southern suburbs, during his funeral in Baflay village, southern Lebanon

نساء مسلمات حزينات في عزاء علي عباس ضيا الذي قتل في تفجيرات بيروت يوم الخميس 12 نوفمبر\تشرين الثاني في قرية بفلة في جنوب لبنان. المصدر: رويترز

في كل مرة أسمع فيها عن عملية إرهابية، أجد نفسي أدعو الله من كل قلبي، بألا يكون مرتكبوها ممن يطلقون على أنفسهم وصف الإسلام. فلقد بدأت بمواجهة صعوبة في أن أفسر لإبني، بأن هؤلاء الأشخاص لديهم نفس الهوية التي نحملها نحن.  أجد من الصعوبة أن أقنعه بأن ديننا هو دين الرحمة وان الإله الذي نعبده يدعو نفسه بالرحمن الرحيم، وإن ما يفعله هؤلاء الأشخاص، لا يمت لديننا بصلة. ولكن الأصعب من كل ذلك، هو إعطائه قائمة طويلة من الأعذار التي جعلتنا نسمح لهؤلاء الأشخاص باختتطاف هويتنا، بدون أن نحرك ساكناً.

أسباب الإرهاب واضحة، لا تحتاج الى تفسير. الفقر والظلم والقهر، غياب الحكومات التي تعمل لأجل الشعب، الجهل، النفاق الدولي اتجاه العرب والمسلمين، الحروب العقائدية التي نعيشها، الإستعمار الفكري… كلها أسباب أدت إلى إنتاج جيل لا يعرف إلا القتل والدمار والعنف. كل تلك الأسباب واضحة،  ولكن ما يحتاج الى تبرير وتفسير هو دورنا نحن النساء، نحن الأمهات في الأحداث التي تدور حولنا.  فنحن نشكل أحدى العوامل التي أنتجت جيل يبرع في العنف.

France Paris Shootings

صورة لضحايا تفجير باريس الذي خلف ما يقارب ال160 قتيلا في حوادث هجوم منظمة في ستة مواقع مختلفة. كان يتم تغطية القتلى على الفور من قبل الشعب الفرنسي. تصوير: ثيبو كامو\ AP

 لتوضيح فكرتي، أحب أن أشارككن قصة حصلت معي البارحة. ارتدت صالون الشعر، ومن ضمن النقاشات النسائية المعتادة التي تُخاض في الصالون، خطر ببالي أن أسأل مصففة الشعر إن سمعت عن تفجيرات فرنسا. فأجابتني قائلة ” الله لا يردهم قد ما عملوا بالعرب والمسلمين. بستاهلوا”. دخلت معها في نقاش، اكتشفت فيما بعد إنه نقاش عقيم. ولكنه في ذات الوقت مثال واضح عما نتحدث عنه هنا.

السيدة في الصالون جعلتني أدرك بإننا قد تجردنا من مظاهر الإنسانية في تعاطفنا مع الضحايا. فقد أصبحت لدينا معايير مزودجة على جميع المستويات، حتى على مستوى التعاطف. نحن ننبذ العنف والظلم فقط إن كانا موجهان نحو أولئك الذين يشبهوننا أو أولئك الذين يحملون نفس أفكارنا، أو الذين يتبعون نفس عقائدنا. ولكننا لا ننبذ فكرة الظلم أو العنف بحد ذاتهم.  ما دام الأشخاص الذين يتعرضون للأذى مختلفين عنا سواء بالدين، أو بالشكل أو بالعرق، أو غيره، فهم يستحقون ما يحصل لهم.

لنأخذ الفكرة خطوة أبعد. نحن نشعر بالقهر من الظلم والعنف الذي أصابنا ويصيبنا “منهم”، بدون أن تكون ” المنهم” واضحة.  فالجميع موجودون في نفس الخانة. ولكننا لا نمانع في أن يلحق بهم نفس الظلم والعنف. 

كل هذا يدفعني للتساؤل عن وجه الإختلاف “بيننا” و “بينهم”.  

يكبرالأطفال وهم شاهدين على إزدواجية أمهاتهم.  يكبرون وقد انتقلت تلك الإزدواجية إليهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. أولئك الأطفال المشبعين بمشاهد العنف التي يتعرضون لها في الإعلام بشكل يومي، سواء في الأخبار أو في الأفلام أو حتى في الألعاب الإلكترونية. تضيع إنسانيتهم رُوَيْدًا رُوَيْدًا بدون إدراك أو وعي.  وبعد ذلك يأتي يوم كيوم الخميس، فنصاب بالصدمة لأن مرتكبي الجرائم صغاراً في السن.  نتساءل عندها ما هي التربية التي أنشأت جيلاً عنيفا. ثم نبدأ بتوجيه أصابع الإتهام إلى الفقر والجهل والحكومات وداعش وغيرها من المسببات، ونتناسى أن أولئك الشباب لم يكونوا ليفعلوا ذلك إن لم تكن تركيبتهم النفسية جاهزة لذلك. نتناسى أننا قد دربناهم على العنف منذ الصغر بأفكارنا العنصرية التفريقية.

Iraq

صورة من تفجير انتحاري العراق يوم الجمعة. خلف التفجير الذي حدث خلال جنازة لمقاتل شيعي ما يقارب ال١٨ قتيلا وسط صمت عالمي. تصوير خليل المرشدي\AP

لم يعد لدي ما أقوله سوى إنني أتمنى أن أنقل لإبني- معنى التعاطف الحقيقي والإنسانية المجردة من القيود. أتمنى أن أتمكن من نقل فكرة القبول والتعايش و التعددية له في أحضان مجتمع لا يعرف أيا من هذه الكلمات.  أتمنى أن يكبرليعيش في مجتمع مسالم، يفضل العلم والثقافة والسعادة على العنصرية والتفرقة والأحادية.

990586-shukria-1447392741-362-640x480

مجموعة نساء يحملن تابوت الطفلة شكرية التي تم قطع رأسها، بالرغم من أن عمرها لم يتجازو ال٩ سنوات وذنبها الوحيد انها جزء من الهزارة الشيعة. المصدر:  AP

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *