';

قصة لجوئي… شر البلية ما يضحك

بقلم دنيا
 

رحلة التنقيل والتعتير

 الله يسامحك يا ام عاصم،  بما إني بنتك التالته، كان لازم تسميني أمل، سعيدة، فرح …بس قررتِ تسميني دُنيا، وكان لي من إسمي نصيب…

 
انا اليوم انتقلت لبيتي رقم 28 ، مع إنه لسة عمري 38 سنة.  آخرعشرين سنة كنت بنت بطوطة، بستكشف بهالعالم، برحلة بأبعد ما تكون عن الحظ. 
 

 قصتي بإختصار، إني نزلت من الأردن لسوريا وانا 18 سنة لأكمل الجامعة. ودرست علوم طبيعية،  وبداية علوم الغربة. إطلعت من الجامعة بقصة حب، وقفت بحلق الناس من الشام لعمان.  بس اتجوزته ليوسف. وما اتخرجت الا ورامي على حضني. وبدأت خطوات الترحال …من مكان أربع نجوم لتلاتة.. ومنهم لنجمة، وبعدها نص نجمة. لأنه هيك هي الحياة الطبيعية لخريجين جداد، وعائلة صغيرة في عالمنا العربي. طبعا هادا من غير حسابات الورتة والأهل. فالراتب يادوب يلحق ع الخبز وحليب الاطفال وأجرة السرافيس. حتى الحفاض  كان رفاهية ما نفكر فيها اصلا!!

 
من هون بلشت أدور ع شي اسمه فرصة.  لقيت احسن شي نطلع على الخليج لنخلص من كابوس العسكرية الإلزامية في سوريا، ومن كابوس اخر الشهر.
 
طلعنا ع السعودية، عنجران. وبلشت لعبة الأقدار تاخدنا من مكان لمكان … بهاي الفترة، إجت بنتي التانية أمل، يلي وجها جاب الرزق علينا.  بلشت أشتغل مع النسوان كوافيرة،  بعد ما اخدت بالصيف دورات مكثفة …والحمدلله حطيت قرشين نضاف بجيبتي،  قلبتهم دهب كونه الدهب ما بتروح قيمته.  بعدها جبت ابني التالت طارق، يلي قصته كانت مفصلية بحياتي، لأنه بس صار عمرو شهرين، عرفنا إنه عندو ضمور شديد بالدماغ. مع مرض طارق، لقينا إنه أحسن حل انه نترك السعودية ونرجع نستقر بسوريا بين الأهل.  قد ما حوشنا، اللي ما قدرنا نحوشه هو الحظ !
 
بعد ما نزلنا بتلات شهور، بلش الربيع العربي، ولحقني ع سوريا.  ومشان تكمل معي كنت في منطقة حرستا، يعني اول ما بلش الضرب، بلش من تحت بيتي.  ماهو انا ساكنه قبال السياسية وجنب المقبرة! جوزي بليلة مافيها ضو قمر، طلع ع اربيل العراق.  بس أنا تميت في حرستا، تحت القصف والرصاص، لحد ما خلصت المدرسة.  كل أملي برامي وأمل، لازم يدرسوا، وما يمشوا على خطواتنا .هديك الايام كتير ناس كانت تلومني ع اقساط مدارس ولادي…هلأ بصفن.  يلي عنده بيت راح بس يلي عندو شهادة ما راحت…
لحقت جوزي عأربيل.
 
 اربيل منيحة بس قلبي بقولي انها محطة.  لازم دوّر ع حياة مستقرة.  لازم كمان لعنة الجنسية السورية يلي ع ولادي وجوزي تروح… والله حاجتنا تنقيل وتعتير. 
 
بلشت المباحثات الزوجية لنلاقي حل لمستقبل أفضل. يوسف صعب، وهو مقتنع انو مسكجين حالنا. خلينا قراب ع اهله في سوريا. بس أنا تماشيا مع موضة الهجرة واللجوء بهالفترة.  لقيتها احسن فرصة انقدم لجوء بشي دولة اروبية، مع اني عارفة شو يلي بستناني هنيك … اروبا مارح تقدملي مصاري بالشوالات، بس رح تقدملي احترام لإنسانيتي، ورح تقدملي دراسة لولادي بجامعة محترمة. كلفة التهريب كانت قالقة جوزي. هي كل تحويشة عمرنا …مين بدو يصرف علينا بهي الفترة…كتير تعبت بالتفكير وما قدرت لاقي حل، إلا اني طالع رامي لحاله تهريب ..منو بأمن ع مستقبله بعيد عن داعش، ومنه يمكن الحظ يضرب هالمرة ويعمللنا لم شمل.. 
 

 أبو صالح

Print

 
بلشت دوّر ع المهربين وما ادراكم ما المهربين!؟
 
اتواصلت مع اكتر من مهرب، لحد ما وقعت مع ابو صالح. راسلته واعطيته المعلومات، بعد ما اعطيته الأمان باسم شخص طالعه من فترة قصيرة. 
 
رن علي.
 
انا اتوترت.
 
كان زوجي جنبي اعطيته التلفون،  قالو ابو صالح كلمتين، وسكر التلفون. “انا ما بهرب قاصرين”
 
انا ما استسلمت رديت بعتله معلومات أكتر وصور شخصية وصورة عن شهادة رامي بمدرسة اجنبية،  والحمدلله عيون رامي الخضر والشعر الاشقر أغروا بأبو صالح.
 
اتصل علي.
 
صوته إلو رهبة، اتخيلته انو رجال باخر الخمسين، طويل وشعر كثيف أبيض، واجنبي بلكنة عربي مكسرة. 
 

المحطة الأولى: اسطنبول

Print

اتفقت مع ابو صالح إنه يطالع رامي على بريطانيا.  اخترتها مشان اللغة، وفكرة الاندماج رح تكون أسهل عليه. بعت الدهب، وقلبتهم دولارات. ولحظة الجد بلشت. حاولت اتناسى خوفي على رامي، وبلشت خاف وين بدي حط المصاري. عملت ستيانة للتهريب.  خيطت ستيانتين ام حشوات ببعض، وتركت ع جنب فتحة لاحط الدولارات فيها.  وقسمت المصاري من النص وحطيتهم فيها… و هيك صار صدري بسوى ألاف الدولارات.  
تركت طارق وأمل عند ابوهم، ياللي ما قدر ياخد اجازة، ويجي معنا.  خاصة بهي الظروف الصعبة يلي السوري مهدد فيها بأي لحظة بالفصل من شغله! كانت فرصة لزوجي يكون أب وأم بنفس الوقت.. وفعلاً كان ادها …
 
وصلت على اسطنبول، وبلش الحلم… وبلش فيلم الرعب.
 
أول يومين حاولت انبسط مع رامي، كنت بدي أشبع منه،  لحتى اجت لحظة الحقيقة.
 
وشفت ابو صالح.
 
اتفاجأت انه شاب من عمري تقريبا، اسمراني حليوة. شفايفه الرقيقة، بطلع منها صوت رخيم.  وعيونه الصغيرة، كانت اتأكدلي انه بشوف كل كلمة بعقله وبوزنها قبل ما ينطقها. مع انه مو من الرجال يلي بلفتوا نظري، بس قدر ياخد اعجابي ..رجّال والرجالُ قليلُ. وراح الشك يلي بقلبي انه تاجر بشر. وقدرت اخد وعد منه انه المصاري رح اتم معي ليوصل رامي على بريطانيا.
 
تاني يوم طلب مني ابو صالح  أنه ياخد رامي معه لمدة ساعتين. هو اقتنع بتهريبه، بس لازم يقنع فيه المعلم الكبير كونه قاصر. أخد رامي واخد قلبي معه.  بس  لما رجعو أخيرا، شفت ابتسامة ابو صالح، يلي زادت جمال لرجولته. قالي المعلم انبسط عليه كيف بترغل انجليزي، ومواصفات رامي ما رح تعزبنا  على حواجز المطار…
 
وإجى يوم السفر.
 
الساعة وحدة الضهر، كنت بساحة التهريب. أبو صالح مسك رامي من ايده،  وقال له سلم  على امك. حكالي ام رامي ما ابتتحركي من هون لحتى إجي.  ولازم أقولك اذا وقفتي، في عشر رجال رح يوقفو معك!! وقف لساني عن الحكي.  كنت بدي أقول له، الدنيا برد.  كنت بدي أقول له طمني شو بصير معكم،  بس اعجزت انطق بحرف ..ودعت ابني وقلبي ببكي استودعته، عند رب العالمين… وصار رامي بايد المافيات …
 
قعدت وحاولت انفّس عن توتري، بس كل سكاير العالم ما بتنفسوا !! وابو صالح موصي الكافيه علي،  دعموني بالعصير والشاي وفناجين القهوة يلي انكبت مرتين من  رعشة ايدي هو من البرد؟ هو من الخوف؟ هو لأنو صار بطني إربة ؟ مابعرف!! بعد خمس ساعات بيّن ابو صالح،  كنت مزرقة من كل شي. قال لي رامي اخد البوردينغ وبعد عشر دقايق طالع ع الطيارة ..هون كل المشاعر اختلطت انسيت كل شي وبلشت الدعوات ..
 
ابو صالح مع رامي على التلفون. 
 
– رامي فوت على الحمام، وبدل الجوازات وحط السوري بجيبتك.
 
– عمو وقع البوردينغ على الارض واجى عليه مي
 
– مو مشكلة روح ع البوابة وروح ع الزلمة يلي ع اليمين هاد زلمتي …
 
ع بوابة الطيارة البريطانية في تلات مبعوثين بريطان،  لكشف هيك محاولات.  انتبه المبعوث انو البوردينغ فاشش من المي،  وطلب من رامي يوقف ع جنب لانه الاجراءات انو يتفتش. بمجرد ما حط ايدو بجيبة رامي وشاف الجواز السوري،  انلقط رامي ونزلوه ..
 
صابتني حالة من الشلل كيف هيك بصير معنا؟! ابو صالح حاول يطمني انو هلأا بروح ع الحجز والصبح بجي القاضي وبخلي سبيلة. انا تركت ابو صالح وما بتزكر الا اني بمشي بالشوارع  وحرقة الدمع عم توجعلي وجهي.
 
رجعت ع الفندق لاستعمل الحمام، بس صار معي حصر بول من نوع فاخر، وبلشت ابكي من وجع القلب ووجع كل شي … 
 
استنيت ساعات الصبح ودق الموبايل. انا عم حاول افهم اللغة وبعد عناء اكتشفت انها عربي مغربي …
 
قالتلي تعي استلمي رامي.  في ثواني كنت بالشارع.  بعد ساعتين من العذاب، قدرت اوصل ع العنوان، فهمت سبب  تجهم الناس بعد ما يقرأوا العنوان ؟! طلع رامي في سجن الاحداث!!
 
شفت رامي، حسيته اتغير. مافي نظرة خوف بعيونه.  قالي ماما معلش المرة الجاي ما بلقطوني …
اجيت بدي وقع ع استلامه،  والشرطي كان بدو اثبات هوية الي. و أنا بكل ثقة طالعت الجواز الاردني. اتغيرت معالم الشرطي اجت شرطة تانيه، صارو يسوقوني بالاشارات على السيارة. واخدونا ع حجز المطار .
 

المحطة التانية: حجز المطار

Print

 
وصلت على غرفة حيطانها صُفر واسعة وفيها مقعدين رماديين.  وبالصدر من ورا القضبان،  الاطلالة يلي بتجنن بكل معنى الكلمة. إقلاع كل طيارة بعمل حسرة بقلبنا. وجنب الباب على اليمين سطل زبالة مليان،  وعلى اليسار برميل مي على الارض للشرب!! وريحة عفن مركزٌة،  قد ما حاولت أوصف، ما رح أقدر أوصف ريحة عفن انسانية البشر!
 
قعدت انا ورامي قبال ام علي العراقية،  يلي اتجاوزت السبعين من عمرها وكل تجعيدة بوجها ابتشرح عن عقد من العراق.  واحدة من التجعيدات على خدها، شفت فيها عاصفة الصحراء مع العم سام. أما التجاعيد يلي تحت عينها ابتحكي عن العراق اليوم . ولادها دبرولها جواز مزور، لتروح تقضي اخر ايامها معهم بهولاندا. بس انمسكت هالمسكينة. 
جنبها ماريا البلغارية، يلي يسعد قلبها بعد ملاسنة مع ضابط بالمطار حست ان بسب عليها فمدت ايدها عليه وضربته. وبالزواية جاك الالماني قاعد فوق شنتايته، واتوقف لانه معه دولارات مزورة ..
 
 رامي حط راسه على حضني،  وانا عم استنشق الريحة يلي شكلها خدرتني،  وعملت لي نوبة ضحك اول مرة بتصير معي !! اضحك من قلبي ع حظي المشحور.. 
 
دخلت رقية الايرانية مع طفلين صغار،  كنت مفكرة حالي بس شوف ايراني رح اتقاتل معه.  بس شفتها متلي متلها، و إنكسار عينها نفس انكسار عينيي. اتعاطفت معها.  حاولت افهم منها أي شي،  بس للأسف مافي ولا لغة تواصل بينا.  نيمت ولادها  على الارض فوق حرام وقعدت.. وفجأة هفت ريحة طغت على كل الروايح الأولانية.   يعني اتاريني كنت اشم Dior.  حاولت اتابع المصدر،  طلعت رقية شالحة بوطها !! رامي ما قدر ع الريحة فزاح البوط وحطه عند الباب،  مسكينة رقية حست بالاحراج،  لبست البوط ونامت فيه .  ما قدرت احط بلوزتي ع انفي لاني رح اشم ريحة كلسوني، يلي لازم غيرو وبشدة.  صارلي تلات ايام لابسته.  
 
تلات ايام وانا شوف ناس تفوت وتطلع على الحجز واتأكدت من لعنة الجوازات العربية. الأجانب فترة احتجازهم هي ساعات، مو ايام زينا نحنا المشحرين العرب.

 

المحطة الأخيرة: سجن الترحيل

Print

 
باليوم الرابع اجى الشرطي وأشر علينا.  ركبنا بباص المساجين. وصلنا بعد ساعتين لمكان قديم. وعرفت انو سجن الترحيل.  ما رضيوا رامي يدخل معي،  لأنو معه ورقة اخلاء سبيل،  فتم برة تحت المطر والبرد بستنى شو رح يسير معي.
 
انا دخلت من الباب وما كان شي مخوفني الا ستيانتي المليانة دولارات.  بحمد ربي إنه لما فتشتني الشرطية،  وحسست ع صدري، ما شافتهم او يمكن تغاضت عنهم !؟
 
وفتت على السجن…
 
واتاريه الواحد ما ابتكمل خبرته في الحياة، الا بالسجن.  مهاجع كبيرة،  كل مهجع فيه تقريبا اربعين تخت طابقين فوق بعض.   وقاعة فيها طاولات ومقاعد مثبتين بالارض.  وتحت السقف تلفزيون مشغل ع المسلسلات التركية. وغرفة غسيل فيها غسالتين وطوابير من النساء ع الباب عم بتقاتلوا مع بعض .. انا بكل احترام وقفت بالكريدور العريض، وبلشت اتفرج على البنات. 
 
السجن متل الافلام.  بعد ما فتت بشوي تجمعوا علي كم وحدة، مبعوتين من الزعيمة لتعرف شو قصتي ؟ واكيد الزعيمة ذكية. عرفت من حجاب الاميرة أني عربية. وبعتت سوريات يسألوني عن تهمتي . قلت لهم تهريب. كان لازم أني أفكر كيف أحمي حالي في هذا المكان. 
 
قعدت على الارض ضامة رجلي ع صدري، خايفة ع المصاري.  مابدي حد يقرب علي،  خاصة بعد ما شفت الكل بركض لما يسمعو كلمة fight،  وبتجمعو فوق البنات يلي بتقاتلوا، وبزقفوا وبصفروا.  والسقف كله كاميرات،  ما ابتدخل الشرطة الا لما وحدة قربت تموت من الضرب !! دايما بتقاتلوا على دور غرفة الغسيل. بدهم كهرباء للسيشوارات. استغربت ليش السيشوار و المكياج،  لحتى اجت فتحية جنبي، وقالتلي هاد لزوم الليل واخره . ما حاولت اخد واعطي معها كتير.
 
 سمعت عم بنادو اسمي وركضت ع الباب وشفت المحامي يلي عينولي اياه. سألني إذا بدي الدولة ترحلني، ولاأرحل لحالي. طلعت تهمتي إني اردنية، وشاركت بعملية تهريب. فحكم علي القاضي بالترحيل مع منع سفر لتركيا لمدة سنة. ما فهمت شو الفرق. قال لي اذا الدولة بترحلني، لازم استنى على الدور بين الشهر والشهرين. اما اذا  رحلت لحالي،  لازم يكون معي مصاري،  وبطلع على الطيارة الجاي ..فورا قولتله انا معي مصاري وبرحّل حالي.   رحت ع الحمام وطالعت من الستيانة حق التكتات وارجعت.   قدرت أخلي المحامي يتواصل مع الشرطي واعطيته مصاري ليوصلهم لرامي المسخم، اللي قاعد بالشارع قبال السجن، يستنى أمه المشحرة. 
 
طلعت من السجن،  وعرفت معنى الحرية الحقيقية.  اركبت بالباص ومابدي اترك ايد رامي. بس وقف الباص بالمطار شفت ابو صالح واقف على نفس الموقف.  ما بعرف كيف عرف. وبما انه ابو صالح معارفه كتيرة، بسلك الشرطة والمطار.  قدرنا نمشي انا ورامي بالمطار من غير كلبشات.  ابو صالح طول ما هو ماشي معي يقنعني اخلي رامي عنده،  وهو بطالعه بعد فترة.  بس انا كنت تعبانة كتير من كل شي. رفضت وقولتله ابني بروح معي وبس.. 
 
اخدنا سيلفي انا ورامي وبعتها للأهل … اطمئنوا انا ورامي راجعين على اربيل.  … شمينا هوا وأكلنا هوا… رجعنا سالمين غانمين، والمصاري بآمان في الستيان.
 
يتبع….
 
الأسماء في هذه القصة غير حقيقية، حماية على سرية هويات الأشخاص.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *