';

نصيب المرأة من الميراث في الدين الإسلامي ما بين الرياضيات واللغة والتفسير الذكوري للآية

Print

شذى الشيخ

لطالما كانت مسألة الميراث في الإسلام مسألةً مثيرةً للجدل، فالآية التي يقول فيها الله عزّ وجل: “وللذكر مثل حظّ الأنثيين” تُعتبر إحدى الآيات التي يستخدمها المحافظين في تكريس الهيمنة الذكورية على المرأة، والتي يستخدمها المنفحتين عامةً في القول بأن الإسلام يُميّز بين الرجل والمرأة وبأن حقوق النساء في هذا الدين منقوصة. فهل هناك تفاسير أُخرى لهذه الآية تعطي المرأة حقها الكامل أم أن التفاسير الذكورية التي حرص المجتمع على غرسها في عقول أبنائه هي الوحيدة التي يمكن استخدامها لفهم الآية هذه ؟ 

قبل القيام بتقديم التفاسير البديلة التي خرج بها عدد من المفكرين والباحثين المسلمين، علينا أولاً أن نتحدث عن الحجة التي يستخدمها الناس في تفسير آية “وللذكر مثل حظّ الأنثيين” والتي تقول بأن الرجل هو المُكلّف شرعاً بمصروف بيته وزوجته وأسرتهما، لذلك فإن المرأة تأخذ فقط نصف ما يأخذه الرجل لعدم تكليفها بالمسؤولية المالية في منزلها. 

بإمكاننا بالطبع القول بأن هذا التفسير يناسب طبيعة المجتمعات السابقة التي كان الرجل فيها الوحيد الذي يعمل خارج المنزل ويوفر المصروف له، أمّا الآن وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وفي ظل التطور التعليمي والاجتماعي، فلقد تغير الوضع 180 درجة؛ فالمرأة اليوم تتعلم وتعمل جنباً إلى جنب مع الرجل، كما أنها تصرف على منزلها تماماً كما يقوم بذلك زوجها. فاليوم فعلاً يدّ واحدة لا تصفق، ولا يستطيع أي إثنين ينتميان إلى الطبقة الوسطى أو الطبقة الأقل منها، بدء حياتهما معاً والصرف على المنزل والأولاد إن لم يكون الإثنان منخرطين في سوق العمل. لذلك وبما أن الدين يناسب كل مكانٍ وزمان، فإنه من حق المرأة اليوم أن يتساوى إرثها بإرث الرجل في حال كان التفسير الأول والمعروف لهذه الآية صحيحاً. 

ولأن القرآن امتاز بإعجازه اللغوي قبل أي إعجازٍ آخر فإن التفاسير الأُخرى تناولت هذه الآية المشهورة من وجهة نظر لغوية أولاً وحسابياً ثانياً وسياقياً ثالثاً. ومن هذه التفاسير يأتي تفسير الدكتور محمد شحرور الذي يقول فيه:

“نجد أن السادة الفقهاء قرأوا قوله تعالى “للذكر مثل حظ الأنثيين”، لكنهم تطبيقاً نفذوه كما لو أنه قال “للذكر مِثْلا حظ الأنثى”. وهذا هو الخطأ الأول[quote]

في قانون المواريث.

قد يتوهم القارئ أن هذه القضية لغوية بحتة، لكنه بعد التأمل سيجد أنها أكثر من ذلك بكثير، فالفرق كبير بين أن تضاعف عدد الإناث كما في قوله تعالى “للذكر مثلِ حظ الأنثيين”، أو أن تضاعف “المِثل” كما اعتبر الفقهاء “للذكر مِثْلا حظ الأنثى”؛ ففي الحالة الأولى هناك تابع ومتحول وهناك متحول مفروض هو الأنثى التي قد تكون واحدة أو اثنتين أو فوق اثنتين وأن الذكر هو التابع لمتغير هو الأنثى، لذا ورد ذكره مرة واحدة في الآية وتم تغيير عدد الإناث من واحد إلى اللانهاية أما في الحالة الثانية فلا تابع ولا متحول ولا أساس، والذكر يأخذ مثلي حظ الأنثى مهما كان عدد الإناث وهذا ما حصل فعلاً.

ثمة أمر آخر بالغ الأهمية، هو أن الله سبحانه حين يضع قواعد وقوانين الإرث فهو يضرب أمثلة تطبيقية لحالات موجودة في الواقع الموضوعي (الوجود الاجتماعي الإنساني في كل الأرض)، ولها صفة العمومية، وفي قوله “للذكر مثل حظ الأنثيين” يشير إلى أن حصة الذكر تكون ضعف حصة الأنثى في حالة واحدة فقط هي وجود أنثيين مقابل ذكر واحد. أي أن هناك وجوداً موضوعياً لا افتراضياً لذكر وأنثيين. وهذا يعني في حقل المجموعات أن حصة الذكر تكون ضعف حصة الأنثى كلما كان عدد الإناث ضعف عدد الذكور: ذكر واحد + أنثيان، ذكران + 4 إناث، 3 ذكور + 6 إناث … وهكذا

فماذا لو كان عدد الإناث أكبر من ضعف عدد الذكور، كأن نكون أمام حالة ذكر واحد + 3 إناث أو 4 أو 5 إلى ما لا نهاية من الناحية الرياضية؟

هنا يأتي الجواب الإلهي فيقول سبحانه: فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ونلاحظ فيه أمرين: الأول تغير وتحول عدد الإناث، والثاني أن الذكر لم يحصل على ضعف حصة الأنثى. لأننا إن فرضنا تركة لأربعة أولاد (ذكر + 3 إناث)، لكانت حصة الذكر 33.33% من التركة وحصة الأنثى 66.66/3 = 22.22% من التركة.

وإن فرضنا تركة لستة أولاد (ذكر + 5 إناث)، لكانت حصة الذكر 33.33% وحصة الأنثى 66.66/5= 13.33% من التركة. وهذا يؤكد ما ذهبنا اليه من أن حصة الذكر تكون ضعف حصة الأنثى في حالة واحدة فقط وليس في جميع الحالات كما يزعم الفقهاء في قوانين الإرث المطبقة حالياً.

أما إذا ترك المتوفى أنثى واحدة وهذا هو الاحتمال الوحيد المتبقي من تغير المتحول (س) وهو الأنثى من واحد إلى ما لا نهاية، فالحكم الإلهي في هذا الاحتمال أن تأخذ النصف، وأن يأخذ الذكر النصف الآخر من التركة، وهذا هو معنى قوله تعالى “وإن كانت واحدة فلها النصف”.

إلى هنا يكون سبحانه قد غطى في وصيته جميع الحالات الثلاث الممكنة للأنثى، فجميع الأسر في الدنيا، إما أن يكون فيها أنثى واحدة أو اثنتان أو فوق اثنتين إلى ما لا نهاية، ولا رابع لهذه الحالات الثلاث في مجالات الاحتمالات الرياضية النظرية والواقع الموضوعي في نفس الوقت.

وهذا يؤكد مرة ثانية أن الأساس المتحول في قوانين الإرث كما صاغها الحق تعالى هو الأنثى، وأن الذكر تابع تتغير حصته بتغير عدد الإناث الوارثات معه، فإن كانت واحدة فله النصف ولها النصف، وإن كانتا اثنتين فله مثل ما لهما، وإن كن فوق اثنتين إلى ما لا نهاية فله الثلث ولهن الثلثان مهما كان عددهن. لذا ورد ذِكرُ الذكر مرة واحدة في الآية لأنه تابع وتغير عدد الإناث في الآية لأنها متحول.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن ثمة حالات لم يذكرها الله سبحانه هي أن يكون للمتوفى أولاد ذكور فقط (ذكر واحد أو أكثر إلى ما لا نهاية) أو أولاد إناث فقط (أنثى واحدة أو أكثر إلى ما لا نهاية). ففي هذه الحالة تقسم التركة بينهم بالتساوي، وهذه بديهية لا تخفى على إنسان مهما كانت درجته العلمية أو الفكرية.”

[/quote]

Print

وفي رأي الدكتور محمد شحرور أن هذا التفسير العلمي واللغوي للآية يحقق العدل للمجموعات لا للأفراد، فبناءً على ما تم ذكره فإنه في بعض الحالات يحصل الذكر على ربع أو ثلث ما تحصل عليه الفتاة، ولذلك فإن حدود الميراث في القرآن تعمل على تحقيق العدل بين مجموعة الأولاد من الفتيات ومجموعة الأولاد من الذكور، لا العدل بين الأفراد، فرداً فرداً. 

 أمّا المفكر الإصلاحي التونسي الطاهر حدّاد فيقول في كتابه إمرأتنا في الشريعة والمجتمع:

[quote]

“يجب ان نعتبر الفرق الكبير البيّن بين ما أتى به الإسلام وجاء من أجله، وهو جوهره ومعناه فيبقى خالدا بخلوده،  قد علل الفقهاء نقص ميراثها عن الرجل بكفالته لها. ولا شيء يجعلنا نعتقد خلود هذه الحالة دون تغيير. على أننا نجد الإسلام نفسه قد تجاوز هذه الحالة التي وجدها أمامه في كثير من أحكامه، اعتباراً بضرورة تبدُّلِها مع الزمن فقرر للمرأة حريتها المدنية في وجوه الاكتساب وتنمية المال بالتجارة وغيرها من التصرفات.

وفيما أرى أن الإسلام في جوهره لا يمانع في تقرير هذه المساواة من كامل وجوهها متى انتهت اسباب التفوق وتوفرت الوسائل الموجبة.”

[/quote]

وبهذا التفسير فإن الطاهر حداد يُقرّ ضرورة المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الميراث متى توفّرت الظروف لذلك ، فهو يفرّق بين ما جاء به الإسلام من تشريعات، وبين ما جاء من أجله.

وبرأي حدّاد فإن الحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجل لا علاقة لها بالأنوثة أو الرجولة، فالمرأة لا ترث النصف لأنّها امرأة بل لأنّ هناك شروطا تجعلها ترث النصف، بينما في مواضع أخرى ترث ضعف الرجل.

ومن هذه الشروط “القوامة والكفالة” حيث أنّ الرجل هو الذي يكفل زوجته ويقوم بالأعباء وتوفير المصاريف وبالتالي فمن الطبيعي أن يرث الرجل ضعف المرأة إذا توفّر هذا الشرط، لكن إذا كانت المرأة مستقلّة وتنفق على نفسها وعلى أولادها فإنّها يجب أن تتساوى في الإرث مع الرجل بسبب انتفاء شرط القوامة والكفالة.

وبهذا فإننا نرى بان هذه التفاسير تذهب إلى مقاصد الشريعة وإلى جوهر الإسلام حيث يجب علينا دائماً العمل على تفسير الآيات والشرائع بطريقة تحقق الغاية التي أتى من أجلها الإسلام، ألا وهي العدل، لا أن نفسّرها بطريقة تخدم فقط جزءً واحداً فقط من المجتمع. كما أن الشرائع تتطور بتطور المجتمع، فإن بطلت أسبابها، جاز تغييرها بما يتناسب ووضع المجتمع الحالي. 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *