';

يا تُرى ماذا يدور في رأس والدة إرهابي؟

في عالمنا العربي، أصبحت قصص الإرهاب من القصص التي نسمعها بشكل يومي وفي كثير من الأحيان نمر عليها مرور الكرام. و بالرغم من حساسية الموضوع تتناسى أن أعضاء الخلاية الإرهابية هم أبناء لعائلات متعايشة مع المجتمع بشكل طبيعي ومن الممكن أن لا يكون لها أي تاريخ إجرامي. وبالرغم من الصدمة التي تصيب العائلة بسبب كون إبنهم “ارهابي”، يصبح عليهم التعامل مع هذه الحقيقة في جميع معاملاتهم الحياتية، وخاصة أن المجتمع يحاسبهم بنفس المعايير التي يحاسب الإبن على فعلته وغالبا ما يوضعون أمام معركة ليثبتوا للمجتمع المحيط أنهم ليسوا مجرمين، وأنهم ليسوا خطرا عليهم. 

أكثر ما أفكر فيه عند سماعي مثل هذه القصص هو أمهات الإرهابيين. غالبا ما أتساءل عما يجول بخواطرهن في مواجهة أعظم كابوس ممكن أن تواجههة أي أمرأة وهو موت إبنها، لكن في حالاتهن كوابيسهن مضاعفة فأبنائهن ماتوا إرهابيين. 

ولعل فضولي وخوفي يدفعاني إلى بدء سلسلة عن معاناة أمهات خاضوا تجربة خسارة”الابن الارهابي”.  وقد اخترت لكم اليوم  قصة  الأمريكية سوزان كليبولد التي عانت، هي وعائلتها، الامريّن جراء قرار ابنها بالانتحار بعد إطلاق النارعلى زملائه ومعلميه في أحد أيام أبريل/نيسان الربيعيّة عام 1999، في ما عرف بأكبر مجزوة في تاريخ مدارس أمريكا؛ مجزرة ثانوية كولمباين. سبب اختياري لهذه القصة هو لأنني أعتقد أن سوزان هي أول والدة تعرضت لهذا الكم الهائل من االضغوطات، واختارت ان تنفتح على الإعلام وتشاركهم تفاصيل  ذلك اليوم الأسود الذي غير مجرى حياة عائلتها، بالإضافة لإصدارها لكتاب يصف فيه تجربتها تحت عنوان حساب أم: الحياة بعد عيش مأساة، آملة إحداث تغيير من خلال مساعدة الاباء الأخرين من خلال إعطائهم  فرصة لمعرفة أهم التغيرات التي تحدث على ابنائهم والتي قد تكون عبارة عن دلائل لتوجة أبنائهم في اتجاة الإرهاب. وهو أمر أستبعد ان تستطيع أي امرأة عربية بالقيام به بسبب المجتمع الذي لن يسمح لها بالتحدث عن ألمها لسبب بسيط جدا وهو أن حكم المجتمع عليها بأنها مذنية بقدر ذنب أبنها أن لم يكن أكثر، متناسين أن الإجرام و الأرهاب لا يأتيان من المنزل فقط بل يأتيان نتيجة أسباب و سياسات كثيرة ومعقدة ان أخوض فيها اليوم، و لكنها أكبر بكثير من تربية الأم، أو كونها أم صالحة.

سوزان كليبولد

سوزان كليبولد لا تعتقد أن ابنها كان وحشا. تصوير بنجامين راسموسين من الغارديان

في مقابلة مع سوزان مع جريدة الجاريان البريطانية قالت بأنها تحب ابنها ولكنها تكرة نفسها لعدم تنبؤها بما فعله.  سوزان  هي أم  ديلان الذي كان  يبلغ من العمر 17 عاماً عندما نفذا الهجوم مع شريكه في المجزرة اريك هاريس، على مدرسة ثانوية تقع في مدينة دينفر الأمريكية.  ونتج عن ذلك الهجوم، الذي استغرق 49 دقيقة، سقوط 13 قتيل وجرح 24 آخرين، ثم إقدم ديلان وإريك على الانتحار بعد إنهاء جريمتهما. 

قالت كليبولد بأنه تلوم نفيها على ما حدث، فوظسفتها كأم هي حماية ابنها وحماية الأخرين منه، ولكنها فشلت في فعل ذلم و هة امر يسبب لها تأنيب ضمير عظيم. ولكنها أيضا تقول بأنها أصيبت بالصدمة جراء ما حدث، ولكنها لم تشعر بالغضب إلا بعد ستة أشهر عندما عرضت عليها الشرطة مجموعة أشرطة كان إبنها قد سجلها مع شريكه و فيها كانا يصبان غضبهما وكرههما على أفراد عائلتيهما و على المجتمع ككل.

 وقد وصفت سوزان الكثير من تفاصيل ذلك اليوم وتفاصيل حياتها بعد الحادثة وتفاصيل طفولة ديلان بطريقة مؤلمة. بحيث يصعب عليها أن تربط الطفل المحب الذي ربته بالمجرم السادي الذي سبب كل ذلك الألم. فقد مرت العائلة بتهديدات بالقتل وبالإفلاس نتيجة مطالبة الاهالي بالتعويض، وبعد كل ذلك الضغط تم انفصال سوزان عن زوجها.

وقد أخبرتها الشرطة بعد خمس سنوات من الجريمة، بأن هاريس كان هو المخطط للجريمة بسبب كونه مجرم سيكوباتي، وأن ابنها كان مصاب بالأكتئاب، إلا أن كل منهما قد أثر على الأخر بطريقة سلبية مما أدى بالنهاية الى إرتكاب الجريمة.

بدأت القصة حسبما تقول سوزان في كتابها عندما أضاء هاتفها أثناء خروجها لحضور اجتماع برسالة صوتية من زوجها ثوماس الذي كان يعمل من المنزل حينها:

[quote]”سوزان هذه حالة طارئة! اتصلي بي فوراً[/quote]

لم يذكر أي شيء،. لم يكن مضطرا. لقد عرفت من نبرة صوته أن شيئاً قد حدث لاحد ابنائها.  شعرت أن أصابعها المرتعشة أخذت ساعات لمكالمة المنزل. تقول بأن نوبة  هلع وخوف اجتاحتها وبأن قلبها قد خرج من مكانه. فكرت بأن ابنها الأصغر ديلان كان في المدرسة، وشقيقه الاكبر كان في عمله. هل وقع حادث لأي منهما؟

 بعد اتصال سوزان في زوجها، لتعرف ما هو سبب الحالة الطارئة وصفت تلك المكالمة: 

[quote]

لقد حاولت جاهدة فهم ما يقوله توم لي: نيت، صديق ديلان المفضل اتصل به قبل دقائق ليسأله، “هل ديلان في المنزل؟” عند تلقيك مثل هذه المكالمة في منتصف يوم دراسي (حيث المفترض أن يكون الصديقان معاً) امر مقلق بما فيه الكفاية، ولكن سبب اتصال نيت كان أسوا كابوس يمكن أن يشهده والدين في الحياة ألا وهو: وجود مسلحون يطلقون النار على الطلاب في مدرسة كولومباين الثانوية، حيث يدرس ديلان.

[/quote]

gallery-1455598635-a-mothers-reckoning-image-sue-and-dylan-in-the-snow

اما عن تربيته فتكلمت سوزان لمجلة O، تحت عنوان “لن أعرف السبب أبداُ”:

[quote]

علمت ديلان كيف يحمي نفسه من جميع المخاطر؛ البرق، لدغ الثعابين، إصابات الرأس، سرطان الجلد، التدخين، شرب الكحول والأمراض الجنسية، إدمان المخدرات والقيادة المتهورة، وحتى التسمم باول اكسيد الكربون. لم يخطر لي أن الخطر الأكبر الذي .سيؤذيه- كما اتضح بعد- قد ياتي من الداخل . 

[/quote]

عندما كان ديلان طفلا، كان سهلا جدا. فقد كان طفلا موهوبا ومميزا. كانت لديه قدرة مميزة على التركيز، حتى إنه دخل إلى مدرسة للموهبين وهو في الصف الثالث. ولكن سن المراهقة لم يكن بنفس السلاسة.  فقد كبر ليصبح شابا خجولا، غير مرتاح مع نفسه. وعندما أصبح في المدرسة الإعدادية أو المتوسطى، فقد اهتمامه في التعليم. في الثانوية، أهمل مظهره، وأصبح منطويا على نفسه.  ولكن مشاكله لم تتحول إلى حقيقة حتى بدأ بقضاء الوقت مع إريك. حيث أصبح الإثنان يتورطان في مشاكل صغيرة، مثل سرقة سيارة وغيرها، عزاها الأهل إلى كونهما مراهقين. في يوم الجريمة، استيقظ ديلان باكرا وخرج مسرعا من البيت، لحقته أمه و قال لها وداعا بطريقة عادية. لم تدرك عندها، بأنها كانت كلمة الوداع الأبدية، وانها كانت أخر مرة ستسمع صوت إبنها فيها.

 وبالرغم من أن عائلة ديلان وأصدقائه لم يصدقوا لفترة طويلة جدا حقيقة تورطه في الجريمة، و أعتقدوا بأنه قد تم التضليل به أو خداعة للمشاركة، إلا أن الأشهر التي تلت تلك الحادثة كانت كفيلة بتغيير أرئهم. وقد لام من حوله أنفسهم بسبب عدم انتباهم لما حل به، وبدأوا جميعا يتساؤلون عن اللحظة التي حصل فيها التغيير على ديلان. بدأوا يسألون أنفسهم ماذا كان يمكن أن يفعلوا ليغيروا الواقع.

ولكن أكبر المتأثرين بدون شك، هي أم ديلان. فبالرغم من أنها ترى نفسها كضحية، لا يراها المجتمع من نفس المنظور. فالمجتمع رآها كشريكة في الجريمة إن لم تكن أكثر إجراما بسبب تربيتها لوحش. وقد أشعرها ذلك بالذل والخجل، لأنه بالرغم من كل شيء، أفعال ابنها تدل على أنه لم يتعلم الفرق ما بين الخطأ والصحيح.  تتمنى سوزان لو أنها تستطيع التكلم مع ابنها لمرة واحدة فقط لفهم ما الذي كان يدور بخلده، لتفهم منه السبب الحقيقي وراء أفعاله.  وبالرغم من أنها وصلت الى قناعة بأنه لم يكن يحبها، لأنه لو أحبها لمنعه هذا الحب من إرتكاب الجريمة. إلا انها تشعر بأنها من تحتاج لسماحة لأنها فشلت في معرفة إنه كان بحاجة إلى مساعدة.

سوزان كآلاف النساء في مجتمعنا العربي يحتجن بشكل يائس الى سلام، لن يتوصلوا له. لأنه بالرغم من كل شيء ستلوم هؤلاء الأمهات أنفسهن على فشلهن في إبعاد أبنائهن عن طريق يائس، أدى في النهاية الى تغيير حياتهن إلى الأبد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *