';

كريمات تبيض البشرة والجانب المظلم من صناعة الجمال

شذى الشيخ

تعتبر كريمات تبيض البشرة من إحدى مساحيق التجميل التي تعمل على الدفع بفكرة أن الجمال مرتبط دائماً وأبداً بالبشرة البيضاء، وأنه من المفضل أن تقوم النساء ذوات البشرة الداكنة باستخدام مستحضرات التفتيح هذه للحصول على بشرة “مقبولة” أكثر.

مشكلة كريمات التبيض ليست وليدة اللحظة، وبالتأكيد أن فكرة الجمال يرتبط دائماً بكل ما هو “أبيض” لم تنغرس في عقولنا فقط بسبب تعرضنا المستمر لجميع إعلانات التجميل التي لا تستخدم إلّا عارضات الأزياء والممثلات الشقراوات. فمشكلة مستحضرات تفتيح البشرة مثل Fair & Lovely تعود في أصولها إلى الفترة التي استطاع فيها الرجل الأبيض استعمار العالم؛ حيث استطاع بفعله هذا اقناعنا بأنه عرقه هو العرق الأسمى وبأن صفات الجينية التي يحملها من بياض البشرة إلى الشعر الأشقر إلى العينين الزرق، ما هي إلّا المعيار الوحيد لكون الإنسان إنساناً كاملاً؛ لهذا قام باستعباد الافريقيين، ولهذا أيضاً قام كريستوفر كولومبس وغيره من المستكشفين بارتكاب مجارزٍ بحق السكان الأصليين لدول “العالم الجديد”، ولهذا لازالت الهند حتى يومنا هذا تعتبر ذو البشرة الفاتحة أعلى منزلةً من أولئك أصحاب البشرة الداكنة.

أمّا شركات التجميل، فإنها لا تجد أي حرج في جني أموالٍ طائلة عن طريق ترسيخ فكرة اللامساواة بين ذو البشرة الملّونة والعنصرية ضدهم، وفكرة أن هؤلاء الأشخاص عليهم أن يستخدموا مستحضرات تفتيح البشرة إذا ما أرادوا الحصول على فرصٍ أفضل في الاندماج في المجتمع وفي قبوله لهم.

ومن المعروف أن في مجتمعاتنا العربية خصوصاً يتم النظر للبشرة السمراء على أنها عيب في مظهر الفتاة، فترى الناس يرددون دائماً العبارة الآتية عن تحدثهم عن فتاة سمراء بقولهم:” ما شاء الله عليه حلوة، بس سمرا”. ومن المعروف أيضاً بأن العديد من الأمهات يرفضن حتى الآن تزويج أبنائهن لفتاة ذات بشرة داكنة.

9983_1

فير آند لفلي أكثر المستحضرات التجميلية استهلاكاً لفكرة أن الأبيض أجمل. المصدر:Seraphic Truth

ولهذا السبب، فإن استمرار صناعة التجميل بالترويج لكريمات التبيض هذه له آثار سلبية على نفسية المُستَهلِكة لهذا المنتج والمُتلقية للكم الهائل من الدعايات والبرامج التي تعمل على ترسيخ عُقدة النقص في عقولهن، وعلى تدمير ثقتهن بأنفسهن.

أمّا بالنسبة للآثار السلبية التي تتركها هذه المستحضرات على صحة المستهلك فحدِّث ولا حرج؛ فهذه المنتجات تقوم باستهداف صبغة الميلانين في الجلد والعمل على التقليل من نسبتها فيه، ومن المعروف بأن صبغة الميلانين هي المسؤولة عن لون البشرة والعينين، وبأن هذه الصبغة تزيد عند الشعوب التي تتعرض لأشعة الشمس أكثر من غيرها لحمايتهم منها وبالتالي فإن زيادتها تعني أن يصبح لون البشرة داكناً أكثر.

وتعمل هذه الصبغة على وقاية الجلد من الأشعة الضارة التي تصدرها الشمس، وبالتالي فإنها تقلل من نسبة إصابة المرء بسرطان الجلد. وبناءً على ذلك فإن استخدام هذه المستحضرات من قبل الدول الافريقية والعربية والآسيوية يعني بالضرورة إرتفاع نسبة إصابة مستخدميها لمرض سرطان الجلد. كما أن هذه العملية تتسبب بإفساد تناسق لون البشرة وبإظهار بُقعٍ داكنة عليها. 

وعلى عكس الفكرة السائدة بأن مستحضرات تفتيح البشرة تؤثر فقط على الطبقة الخارجية لجسم الإنسان، إلّا أن ما لا يعرفه معظم الناس هو احتواء هذه المستحضرات على مادة الزئبق التي بمجرد اندماجها مع خلايا الجسم، تسبب ضرراً كبيراً على وظيفة الكبد. كما أن استخدامها أثناء الحمل يؤدي إلى زيادة إحتمالية إصابة الجنين بإضطرابٍات عصبية. 

ومع كل هذه الآثار الخطيرة التي يجلبها استعمال المرأة لكريمات تبيض البشرة، لا أجد بينها سبباً واحد يقنعني بأن أقوم بالمخاطرة بصحتي النفسية والجسدية كإمرأة حتى أزيد من ثراء الشركات المُصنِعة لهذه المنتجات ولأُقنِع المجتمع بأن إنسانيتي تكتمل عندما تصبح بشرتي بيضاء ناصعة. فالشخص الذي يستخدم العنصرية لزيادة أرباحه والمجتمع الذي يحكم على قدرات المرأة وشخصها من درجة لون بشرتها، يستحقان أن نقوم بمحاربتهما لا أن نقوم بتعريض حياتنا للخطر من أجل أن ننال رضاهما. 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *