';

لِحافُ الرّأس

إيمان زهير 

[quote]

قالت لي عمّتي مرّة أنّ سبع شعراتٍ تظهر تعني لعنة الإله، سألتها وثمانية؟ ضحكت بشزرٍ ولم تجب! فأخبرتها أنا أنّ الثمانية إذا تعني لعنة المجتمع والإله، وتسعة وأكثر تعني لعنة البنت من الحياة!

[/quote]

 مع أولّ قطرة دماءٍ ينزفها رحم  فتاةٍ في مجتمعٍ رضِع الوهابية، تبدأ مرحلة تجريدها من طفولتها وتشويه علاقتها بجسدها بطريقة مبتكرة وسلسة، تنتهي بنقلها طوعا الى ما يُشبه “الحرملك “!

  يصبح شغل المجتمع الشاغل كيف سيغسل دماغها، تخويفاً من جحيم محتّم، اذا ما اعترضت على وضع لحافا على رأسها صيفا شتاءاً، متّبعين ذات السيناريو المُمَنهج؛ بداية من التلفاز، مروراً بالمدرسة، وإنتهاءاً بالتربية المنزلية.  فهذا شيخ يهددها بأنها ستتعلق من شعرها في نار الجحيم، وذاك يلعن والديها إذا ما أعطوها حرية الإختيار، وتلك معلمة لا تكف عن تهديد الفتيات غير المحجبات بالطرد من حصّتها والإقصاء، حتى تستسلم البنت إلى واقعها وتدخل “الحرملك” عن إقتناع ممنهج.

أذكر جيداً عندما كانت معلمة الإعدادي تهددنا بأن خروج شعرة واحدة من مقدمة الحجاب، حتى وإن كانت عن غير قصدٍ، تُكتب “زنا ” في صحيفة الفتاة على اللوح المحفوظ! كانت زميلاتي،  بكل سذاجةٍ وبراءة، عندما يسمعن حديث المعلمة يُسارعنَ في إقتلاع الشعرة الخارجة عن القانون من رؤوس بعضهن البعض، على الرّغم من عدم وجود رجال داخل الصف. وإن كان هذا يدلّ على شيءٍ، فإنه يدلّ أنّ هذه عادة تنتقل عبر العقول، من جيلٍ الى جيل،  بالنسخ واللصق دون وعيٍ وفهم وسؤال.

mohajababes-2048x708

نعم يا سيداتي وسادتي،  إن إرتداء الحجاب عادة، لأن أي شيءٍ يؤخذ على ما هو عليه، دون أن يغربله السؤال والمنطق يصبح عادة.

 لذا تعالوا نسأل معاً، لماذا على المرأة وضع حجابا على رأسها صيفا شتاءا بينما الرجل لا ؟  مع أنني لا أُحِب أن أسميه حجاباً، فإن كان يحجب شيئا فإنه يحجب الهواء عن رئتي الشعر، الشعر الموجود على رأس الرجل مثله تماماً، لكن كالعادة كل ما تملكه الأنثى يصبح رجساً، وعورة، ومثيرا للقلق حتى ضحكتها وصوتها أثناء الحديث.

 حاولت الإجابة على هذا السؤال، لكن دون أن أجد أيّ إجابة منطقية إطلاقاً. فهناك من يقول أنّ شعر المرأة يفتن الرجل، فإن كان القصد هنا أنّ شعرها يفتنه من ناحية جمالية، فشعر الرجل الجميل المُسرّح بعناية أيضاً يفتن المرأة، فلماذا لا يتحجب الرجل؟ طبعا مع تحفظي على كلمة ” فتنة”؛ فالجمال لا يجب أن يُنظر له على أنه فتنة، بل إنّ الجمال الإنساني من أروع ما خلقه الله على الأرض، ويجب الإفتخار به.  ومنهم من يقول أنه يعطي فرصة للرجل الخيال وإعطاءهِ الجمال على دُفعات. عندما سمعت هذا الرأي صدمت تماما، لكن لا  عجب في مجتمعات لا ترى المرأة، الا أداة جنسية متحركة، وكل تصرف تفعله ما هو الا محاولة إثارة . أما أكثر رأي مثير للشفقة هو ما قاله شيخٍ على التلفاز، بأن الحجاب يحمي المرأة من حر الصيف، بالطبع العكس تماما.أعتقد أن على الشيخ إرتداء الحجاب في الصيف، ثم يستطيع إعطائنا رأيه في الموضوع بعد ذلك. 

للأسف، دائماً ما يُهاجم الشخص الذي يناقش فكرة الحجاب  بأنه يهاجم الدين الإسلامي، لكنني لن أخوض في مناقشة الآراء الفقهية لما فيها من تنوع وجدل سيجرّ المقال إلى منحى آخر .وسأناقش الأبعاد الثقافية والتاريخية له  في مقال آخر قريباً.

  فكما هو معروف فإنّ اللباس عبر العصور يتحكم فيه أكثر من عامل، ومنها الثقافة السائدة في المجتمع، وعلى إثر ذلك تنوّع لباس المرأة منذ البدء.  وكالعادة مع كلّ ثقافة  يمتزج الدين السائد خلال تلك الفترة مع شكل لباس المرأة، ليصبح جزءاً من ثقافة التدين، ويصبح الشخص الذي لا يرتاح الى لباس القطيع، خارج عن الملة للأسف. 

وأخيراً والأهمّ، أننا الآن في العصر الحديث ، عصر العلم والتكنولوجيا والمنطق ، عصر إحترام الفرد ورأيه، عصر الحرية، ولا يجب أن يُنظر الى اللباس إلا أنه خيار شخصي، يعتمدُ على الجوّ والظروف وطبيعة الشخصية فقط، وأنا كفتاة محجبة رغماً عني، أجده عبئاً ثقيلاً لأنه لا يتناسب مع شخصيتي العمليّة، لكنّه مفروض عليّ بحكم العادة، فُرض عليّ كأي فتاةٍ تعرّضت لغسيل الدماغ والتخويف من العذاب، لكنني، وللأسف، لا أفكّر مرحليا في التحرر منه في هذا المجتمع الجلّاد، الذي  يُقيّم أخلاق الفتاة من قطعة قماشٍ على شعرها ، والذي لديه إستعداد أن يسلب حياتي مني بمجرّد رأيي المُغاير، فحياتي أثمن من قطعة قماش تافهة.

و أعلم جيداً أن هناك من يجد أن عكس الحجاب التعرّي، لكننا لا ندعو إلى هذا إطلاقا، فإن الحشمة، لا دخل لها في شعر الرأس، فكم من عاهرة تتغطى تحت الحجاب والنقاب؟!

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *