';

ملكة سبأ، الملكة التي أثارت التكهنات على مدى العصور

إعداد رند أبو ضحى ومريم أبو عدس

Web

تساءلت دومًا لماذا لم أعرف عن حضارة سبأ، ولم أدرس عن رابعة العدوية، وبلقيس وزنوبيا وكليوبترا، وغيرهن الكثيرات ممن سطروا في الحضارات العربية والغربية الكثير. فمناهجنا التعليمية لم تروي لنا قصصا عن بطولات النساء في الحضارة والتاريخ، بل تعاملت معها وكأنها لم تكن. وكأن سمو النساء هو أمر مخجل وخادش للحياء. أحمد الله على الإنترنت الذي حررني، وحرر باقي البشر من عدسة العادات والتقاليد والدين والسياسة والأجندات التي أُجبِرنا أن نرى العالم من خلالها . فاليوم لنا مطلق الحرية لنروي عطش المعرفة لكل ما تتخيله عقولنا. 

اليوم أخترنا لكم بلقيس، تلك الملكة التي ورد ذكرها في الكتب المقدسة. الملكة التي تحدت الملك سليمان علية السلام، فوقع بحبها وتزوجها. وأصبحت مصدراً خصباً للقصص والروايات،  بسبب الغموض والتكهنات التي أحاطت قصتهاعبر التاريخ. فمن هي؟ وماهي قصتها؟

تنسب الملكة بلقيس إلى الهدهاد بن شرحبيل من بني يعفر، وهناك اختلاف كبير بين المراجع التاريخية في تحديد اسم ونسب هذه الملكة الحِمْيَرية اليمانية.

كانت بلقيس سليلة حسبٍ ونسب، فأبوها كان ملكاً، وقد ورثت الملك بولاية منه؛ لأنه لم يرزق بأبناء بنين. لكن قومها استنكروا توليها العرش وقابلوا هذا الأمر بالازدراء والاستياء. و كان لهذا التشتت بين قوم بلقيس أصداء خارج حدود مملكتها، فقد أثار الطمع في قلوب الطامحين الاستيلاء على مملكة سبأ، ومنهم الملك “عمرو بن أبرهة” الملقب بذي الأذعار. عند معرفة بلقيس بأطماع الملك “عمرو بن أبرهة” ، تنكرت بزي رجل وغادرت بلادها، لم تغادر بلقيس بلادها بلا عودة.  فبعدما عم الفساد مملكتها المسلوبة، عادت لتستعيد حقها من ذي الأذعار حيث دخلت عليه ذات يوم وظلت تسقيه الخمر وهو يعتقد أنها تغازله، حتى نالت منه وقتلته، واستعادت ملكها وشعبيتها لأنها نالت منه بذكائها ولقنت قومها الدرس.

 سبأ في الموروث الديني اليهودي

Procession f Queen of sheba

Procession of the Queen of Sheba by Piero de la Fransceca

لم تذكر أيا من النصوص الدينية إسم بلقيس، بل اكتفوا بالإشارة لها على أنها ملكة مملكة سبأ.  في العهد القديم، وهو أقدم النصوص التي أشارت لها، ذكر بأنها سمعت بخبر سليمان وحكمته فذهبت إليه لاختبار هذه الحكمة،  قادمة على ظهور الجمال بقافلة من الطيب والأحجار الكريمة والأبخرة، التي يذكر العهد القديم أن “اورشليم” لم تشهد مثلها من قبل. حيث ورد في التعليقات اليهودية القديمة بأن الملكة عندما سمعت بخبر سليمان وحكمته،  قالت لقومها بأنها ستذهب لاختباره لتحكم فعلا إن كان كان حكيما أم لا،  ويبدو أنها كانت بارعة في الأحاجي والألغاز كما كان سليمان. فلما وصلت عند سليمان سألته :

“[quote]

أنت سليمان الذي سمعت عن مملكته وحكمته؟ “

فأجاب سليمان: نعم.
بلقيس : ” إن كنت حكيما فعلا، فسأسألك أسئلة وأرني إن كان بإمكانك الإجابة عليها “
سليمان : ” لأن الرب يعطي حكمة. من فمه المعرفة والفهم “
بلقيس : “ماهي السبع التي تخرج، والتسع التي تدخل، والإثنان اللذان يقدمان شرابا، والواحد الذي يشرب؟ “
سليمان :” السبع التي تخرج هي أيام الحيض والتسع التي تدخل هي شهور الحمل التسعة، والإثنان اللذان يقدمان شرابا هم الثديان والواحد الذي يشرب هو الرضيع ” 

فقالت بلقيس بصوت عال: ” أنت حكيم فعلا ! سأسألك سؤالا آخر وأرى إن كان بإمكانك إجابتي ؟ “

سليمان: ” الرب يمنح الحكمة “
بلقيس: “يخرج كالغبار من الأرض، غذائه الغبار، يسكب كالمياه ويضيء المنازل؟”
سليمان: “نافثا
بلقيس: “شيء عندما يعيش لا يتحرك وعندما تقطع رأسه يتحرك؟”
سليمان: “السفينة في البحر”
بلقيس : “ماهو الذي لم يولد بعد ولكنه أعطي حياة؟”
سليمان : ” عجل الذهب
بلقيس : “الميت عاش ويصلي والقبر يتحرك، من هو ؟”
سليمان: الميت يونس وقبره الحوت. (أو السمكة كما هي مذكورة في التوراة)

[/quote]

سبأ في المرورث الإسلامي

800px-Sheba_demin

The Queen of Sheba Giovanni De Min 1789–1859

تختلف القصة قليلا في القرآن لأنه يذكر أن سليمان هو من أرسل في طلب الملكة. كان سليمان يتفقد حاشيته وكان من ضمن هذه الحاشية هدهد بالإضافة إلى حيوانات وجن وعفاريت. وتفقد ذات يوم جنده من الطير فلم يجد الهدهد وغضب لذلك ووعد بتعذيبه حتى أتاه الهدهد وأخبره عن مملكة سبأ. كان قوم بلقيس يعبدون الأجرام السماوية والشمس على وجه الخصوص، وكانوا يتقربون إليها بالقرابين، وهذا ما لفت انتباه الهدهد الذي كان قد بعثه سليمان – عليه السلام- ليبحث عن موردٍ للماء. فما كان من سليمان، المعروف بحكمته، إلا أن تحرى صدق كلام الهدهد، وأرسل إلى بلقيس، بكتابٍ يتضمن دعوته لها ولقومها إلى طاعة الله والإنابة والإذعان، وأن يأتوه مسلمين خاضعين لحكمه وسلطانه.

[quote]

(19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28)

القرأن الكريم، سورة النمل 

[/quote]


كانت بلقيس حينها جالسة على سرير مملكتها المزخرف بأنواع من الجواهر واللآلئ. وعند وصول الكتاب، قامت بلقيس بجمع وزراءها وعلية قومها، و شاورتهم في أمر هذا الكتاب. في ذلك الوقت كانت مملكة سبأ تشهد من القوة ما يجعل الممالك الأخرى تخشاها، و تحسب لها ألف حساب. فكان رأي وزرائها “ نحن أولوا قوةٍ و أولوا بأس شديدٍ “ في إشارةٍ منهم إلى اللجوء للحرب والقوة. إلا أن بلقيس صاحبة العلم والحكمة والبصيرة النافذة ارتأت رأياً مخالفاً لرأيهم، فهي تعلم بخبرتها وتجاربها في الحياة أن “ الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون”. وبصرت بما لم يبصروا ورأت أن ترسل إلى سليمان بهديةٍ مع علية قومها وقلائهم، عله يلين أو يغير رأيه، منتظرةٌ بما يرجع المرسلون. ورفض سليمان الهدية وقرر الخروج بجيش ومقاتلة سبأ.

[quote]

قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)

القرأن الكريم، سورة النمل 

[/quote]

قبل خروج الجيش، طلب سليمان من أحد حاشيته أن يأتيه بعرشها قبل قدومها. حيث قام بتغيير معالم عرشها، ليعلم إن كانت بالذكاء والفطنة بما يليق بمقامها وملكها. لم يذكر القرآن الهيئة التي أتت عليها وكيف قررت ذلك. ولكنها دخلت على سليمان وقامت بجمع ثيابها حتى ظهرت ساقها لظنها أن بلاط سليمان أو الصرح كان ماء، فأخبرها سليمان أنه صرح من زجاج يجري من تحته الماء. وحسب القرآن والتفاسير الإسلامية فإن اندهاش بلقيس من ملك سليمان وليس بالضرورة حكمته كما ذكر العهد القديم، هي سبب دخول بلقيس في دين سليمان.

[quote]

قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)

[/quote]

makeda

ترى الثقافة الأثيوبية بأن ملكة سبأ هي اثيوبية الأصل وليست يمنية، بالرغم من أن بعض الآثارات تسير الى انها كانت موجودة في اليمن.

وتقول المراجع التاريخية أن سليمان –عليه السلام- تزوج من بلقيس، وأنه كان يزورها في سبأ بين الحين والآخر. وأقامت معه سبع سنين وأشهراً، و توفيت فدفنها في تدمر.وتعلل المراجع سبب وفاة بلقيس أنها بسبب وفاة ابنها رَحْـبَم بن سليمان.

وقد ظهر تابوت بلقيس في عصر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك وعليه كتابات تشير إلى أنها ماتت لإحدى وعشرين سنة خلت من حكم سليمان. وفتح التابوت فإذا هي غضّة لم يتغير جسمها، فرفع الأمر إلى الخليفة فأمر بترك التابوت مكانه وبنى عليه الصخر. 

بلقيس كانت الأولى والأخيرة والوحيدة التي ملكت على عرش سبأ، وعرف زمنها بالازدهار الحضاري والمعماري والاقتصادي. ما يميز بلقيس عن غيرها ليس زواجها بسليمان ولا حتى حكمها لسبأ، بل كيف احترمت عرش والدها ولم تتنازل عنه. وحتى أنها بعد  الزواج بقيت ملكةً على عرشها، فما حققته بلقيس في سبأ من أهم ما تم تحقيقه في اليمن بذكاء امرأة حكمت بلاد وحررت وتحضرت وكبرت، فلولا الحكمة والشجاعة التي امتلكتها بلقيس لما سطر التاريخ والقرآن الكريم قصتها.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *