أعيدوا لنا بهجة الحياة

تفوق الأرهابيون على أنفسهم هذا الشهر، بعدد الهجمات التي حصدت أرواحاً بريئة خرجت صباحاً لعملها أوشاركت باحتفالات دينية أو خرجت لتشجيع فرقها الرياضية المفضلة  أو حتى وبكل بساطة لأداء عبادة دينية.  لم تعرف إحداها أن في المساء ستُنشر صُورها في انحاء المدينة تحت كلمة”مفقودة”.

اكثر من 9 تفجيرات كبيرة خلفت وراءها عدد كبير من القصص الحزينة، ابتداءاً من تفجيرات تركيا الذي خلفا 97 قتيلاً ومئات الجرحى. وتفجير باكستان الذي قتل به 70 شخصاً بينهم 29 طفلاً، 3 تفجيرات بمطار بروكسل والذي اسفر عن موت 26 شخصاً، بالإضافة إلى 145 ضحية ما بين قتيل وجريح وقعوا في تفجير استهدف ملعب شعبي لكرة القدم في العراق، وأيضا 22 قتيلاً و35 جريحاً نتيجة تفجيران اقدمت عليه انتحاريتنا فجرتا  نفسيهما بمسجد في نيجيريا، حيث فجرت الأولى نفسها داخل المسجد، في حين قامت الثانية بتفجير نفسها خارج المسجد للتأكد من قتل جميل المتواجدين والفارين من التفجير الاول، بالإضافة إلى التفجيرات التي وقعت في اليمن وساحل العاج  وسوريا وأماكن أخرى لا يعلمها سوى الله. 

The-funeral-of-some-of-the-victims-of-a-suicide-bomb-attack

طفل لم يستطع تمالك دموعه خلال جنازة احدى الضحايا الذين وقعوا قتلى في ملعب شعبي في العراق في 25 آذار 2016، المصدر: AFP

 من المثير للإهتمام  بأننا لا نسمع أصوات الأمهات اللواتي ينفذ ابناؤهن عمليات إرهابية،  أو يتورطون في الإنضمام لتنظيم متطرف. هؤلاء النسوة يعانين الأمرين ما بين فقدان الابناء وإتهماهن بأنهن السبب بتربيتهن السيئة.  ولكن ما هو بروفايل أمهات داعش؟ هل هن متطرفات أم أمهات سيئات؟ أم هن أمهات كباقي الامهات ولكن تكالبت الظروف عليهن ووضعتهن في هذا الوضع الذي لا يحسدن عليه؟  قامت “الهافنجتون بوست” بإصدار تقريرا خاصاً يروي قصص أمهات فقدن ابنائهم من مختلف دول العالم،  بسبب تنظيم داعش. كان الاكتشاف الأعظم أن بعضهن أمهات ونساء عاديات جدا. 

151105 mother02.JPG

كريستان بوردو، المصدر: www.winnipegfreepress.com

كريستان بودرو، هي أم  واحدة من بين أربعة آلاف سيدة فقدن ابنائهن على يد تنظيم داعش. كيف استقبلت كريستان خبر انضمام ابنها الكندي الى التنظيم؟

[quote]

مازالنا كلنا نتألم من احتمال أن تتركنا جميعاً وتعرض نفسك للخطر بينما نحن نتساءل أإن كنت بخير.… فكرة أنّي لن أراك ثانيةً ولن أحضنك ثانيةً تمزق قلبي أشلاء. 

[/quote] 

هذه هي الرسالة التي قامت  كريستان بإرسالها لإبنها داميان أثناء تغيبه عن المنزل للانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية. ما هي كمية الأم التي تعرضت لها هذه الأم التي كانت تقضي كل دقيقة من وقت فراغها لمشاهدة أشرطة الفيديو التي ينشرها تنظيم “داعش” على امل ان تجد عيون ابنها خلف واحدة من الأقنعة؟

بدأت القصة باعتناق داميان الإسلام، وذلك بعد وقت قصير من خروجه من المستشفى بعد محاولته الانتحار في عمر 17 عاما، حيث أخبر داميان والدته انه يحب القرآن الكريم. وعلى الرغم من أن بودرو قد ربته على تعاليم المسيحية، الا انهارحبت باعتناقه الاسلام، فقد ترك زوجها الأول المنزل عندما كان داميان في العاشرة من عمره،  وفي ذلك الوقت، لجأ الصبي إلى عالم جهاز الكمبيوتر، هربا من العالم الذي اغضبه. ولكن بحلول عام 2011 لاحظت كريستان تغيراً ملحوظاً في ابنها، فقد كان يزور أصدقاءه الجدد كثيراً، وكان لا يأكل مع العائلة إذا كان هناك نبيذ على الطاولة، كما أنه كان يجيب على الهاتف خارج المنزل فقط، وكان يقول لأمه إن المرأة يجب تعتني بالرجال وإنه يفضل الزواج بأكثر من فتاة، كما كان يبرر عمليات القتل، وكأن الدين الإسلامي يبرر هذه القيم. 

في صيف 2012،  بدأ الصراع في سوريا وانتقل داميان ليسكن مع بعض اصدقائه المسلمين فوق مسجد في وسط مدينة كالجاري.  في نوفمبر من نفس العام، غادر داميان كندا، قائلاً لوالدته إنه ذاهب إلى مصر لدراسة اللغة العربية ليصبح إماماً. ولكن عندما طرق رجلان من المخابرات الكنديّة باب منزلها في يناير/كانون الثاني 2013، اكتشفت كريستان أسوأ معلومة يمكن لأم ان تعرفها عن ابنها، فقد تبين أن داميان ليس في مصر وأنما هة قد سافر إلى سوريا لينضم لتنظيم جبهة النصرة التابع لتنظيم القاعدة، ومن هنا أيقنت كريستان بأنها لا تملك شيئاً سوى البحث في المواقع الجهادية عن ابنها!

150219114559-07-damian-calirmont-santa-super-169

صورة عائلة داميان، المصدر: CNN

بدأ داميان في فبراير/شباط 2013، التواصل مع والدته التي كانت تستعطفه احياناً وتعنفه في أحيان اخرى ليعود  الى المنزل، ولكن دون جدوى. ولكن هذا التواصل لم يستمر طويلا، فقد انتصر تنظيم داعش على جبهة النصرة، فانضم داميان  إلى صفوف صفوف داعش.

في مساء 14 يناير 2014، اتصل مراسل صحفي بكريستان، ليخبرها ان هناك تغريدة على موقع تويتر، تفيد بأن داميان قد أُعدم من قبل الجيش السوري الحر خارج حلب. أُصيبت  كريستان بانهيار عصبي،  ولكن كان عليها استجماع قواها لتحافظ على بقية ابنائها. ساعدها في ذلك  دانيال كوهلرـالخبير الألماني المتخصص في مساعدة الاشخاص على الخروج من حركة النازيين الجدد، ولكنه في السنوات الأخيرة كان قد بدأ أيضا العمل مع المتطرفين المسلمين وأسرهم وهو يعمل في منظمة ألمانية تدعى الحياة. بعد وفاة داميان، بقي كولر على اتصال وثيق مع بودرو، في محاولة لمساعدتها على فهم ما حدث لابنها.

وقال كولر ان ما حدث كان عملية تطرف كلاسيكية حيث يشعر المجند بسعادة لأنه وجد أخيرا وسيلة لفهم العالم ثم يحاول تحويل المحيطين به بنفس الطريقة. الخطوة التالية  تكون أكثر احباطا، وذلك عندما يدرك الشخص الذي تم تجنيده أن أحباءه غير متقبلين لرسالته، ومن هنا تبدأ النزاعات العائلية في امور مختلفه مثل الجدل حول الملابس، والكحول، والموسيقى، وفي النهاية يضطر لمغادرة المنزل والهجرة لبلد مسلم. وفي المرحلة النهائية يمكن للشخص أن  يبيع ممتلكاته ويحاول ان يتمتع ايضا باللياقة البدنية أو نوعا من التدريب العسكريلأنه يرى أن العنف هو الحل الوحيد.

christianne_dailymail

كريستان مع ابنها داميان في طفولته وشبابه، وصورة اخرى له مع أعضاء تنظيم داعش، المصدر: lelkizona.blog.hu

بعد ستة أشهر من وفاة داميان، زارت بودرو كولر في برلين، وعرفها على ثلاث أمهات أخريات، كارولينا وتوريل وصليحة، قتل ابنائهن بعد الانضمام إلى الجماعات المتطرفة في سوريا. وأحضرت كل سيدة ألبومات الصور التي تحمل ذكريات خاصة بأبنائهن، وخلال هذه الجلسات النقاشية اكتشفن أوجه التشابه في قصصهن وكيف حصد التطرف أرواح ابنائهن.

بعد عودة كريستان من برلين، انخرطت في العمل التطوعي لتوعية العائلات التي تعاني من نفس المشكلة. كما استطاعت بمساعدة كوهلر، تأسيس منظمتين “حياة كندا” و”أمهات من أجل الحياة” لمساعدة الآباء والأمهات في تقويم الشباب المتطرفين، وجالت أنحاء كندا لتتحدث مع المعلمين والطلاب وإدارات الشرطة حول كيفية اكتشاف علامات التطرف في احد الأصدقاء والأقارب، وكيف تتعامل معها.

يا تُرى ماذا يدور في رأس والدة إرهابي؟

في عالمنا العربي، أصبحت قصص الإرهاب من القصص التي نسمعها بشكل يومي وفي كثير من الأحيان نمر عليها مرور الكرام. و بالرغم من حساسية الموضوع تتناسى أن أعضاء الخلاية الإرهابية هم أبناء لعائلات متعايشة مع المجتمع بشكل طبيعي ومن الممكن أن لا يكون لها أي تاريخ إجرامي. وبالرغم من الصدمة التي تصيب العائلة بسبب كون إبنهم “ارهابي”، يصبح عليهم التعامل مع هذه الحقيقة في جميع معاملاتهم الحياتية، وخاصة أن المجتمع يحاسبهم بنفس المعايير التي يحاسب الإبن على فعلته وغالبا ما يوضعون أمام معركة ليثبتوا للمجتمع المحيط أنهم ليسوا مجرمين، وأنهم ليسوا خطرا عليهم. 

أكثر ما أفكر فيه عند سماعي مثل هذه القصص هو أمهات الإرهابيين. غالبا ما أتساءل عما يجول بخواطرهن في مواجهة أعظم كابوس ممكن أن تواجههة أي أمرأة وهو موت إبنها، لكن في حالاتهن كوابيسهن مضاعفة فأبنائهن ماتوا إرهابيين. 

ولعل فضولي وخوفي يدفعاني إلى بدء سلسلة عن معاناة أمهات خاضوا تجربة خسارة”الابن الارهابي”.  وقد اخترت لكم اليوم  قصة  الأمريكية سوزان كليبولد التي عانت، هي وعائلتها، الامريّن جراء قرار ابنها بالانتحار بعد إطلاق النارعلى زملائه ومعلميه في أحد أيام أبريل/نيسان الربيعيّة عام 1999، في ما عرف بأكبر مجزوة في تاريخ مدارس أمريكا؛ مجزرة ثانوية كولمباين. سبب اختياري لهذه القصة هو لأنني أعتقد أن سوزان هي أول والدة تعرضت لهذا الكم الهائل من االضغوطات، واختارت ان تنفتح على الإعلام وتشاركهم تفاصيل  ذلك اليوم الأسود الذي غير مجرى حياة عائلتها، بالإضافة لإصدارها لكتاب يصف فيه تجربتها تحت عنوان حساب أم: الحياة بعد عيش مأساة، آملة إحداث تغيير من خلال مساعدة الاباء الأخرين من خلال إعطائهم  فرصة لمعرفة أهم التغيرات التي تحدث على ابنائهم والتي قد تكون عبارة عن دلائل لتوجة أبنائهم في اتجاة الإرهاب. وهو أمر أستبعد ان تستطيع أي امرأة عربية بالقيام به بسبب المجتمع الذي لن يسمح لها بالتحدث عن ألمها لسبب بسيط جدا وهو أن حكم المجتمع عليها بأنها مذنية بقدر ذنب أبنها أن لم يكن أكثر، متناسين أن الإجرام و الأرهاب لا يأتيان من المنزل فقط بل يأتيان نتيجة أسباب و سياسات كثيرة ومعقدة ان أخوض فيها اليوم، و لكنها أكبر بكثير من تربية الأم، أو كونها أم صالحة.

سوزان كليبولد

سوزان كليبولد لا تعتقد أن ابنها كان وحشا. تصوير بنجامين راسموسين من الغارديان

في مقابلة مع سوزان مع جريدة الجاريان البريطانية قالت بأنها تحب ابنها ولكنها تكرة نفسها لعدم تنبؤها بما فعله.  سوزان  هي أم  ديلان الذي كان  يبلغ من العمر 17 عاماً عندما نفذا الهجوم مع شريكه في المجزرة اريك هاريس، على مدرسة ثانوية تقع في مدينة دينفر الأمريكية.  ونتج عن ذلك الهجوم، الذي استغرق 49 دقيقة، سقوط 13 قتيل وجرح 24 آخرين، ثم إقدم ديلان وإريك على الانتحار بعد إنهاء جريمتهما. 

قالت كليبولد بأنه تلوم نفيها على ما حدث، فوظسفتها كأم هي حماية ابنها وحماية الأخرين منه، ولكنها فشلت في فعل ذلم و هة امر يسبب لها تأنيب ضمير عظيم. ولكنها أيضا تقول بأنها أصيبت بالصدمة جراء ما حدث، ولكنها لم تشعر بالغضب إلا بعد ستة أشهر عندما عرضت عليها الشرطة مجموعة أشرطة كان إبنها قد سجلها مع شريكه و فيها كانا يصبان غضبهما وكرههما على أفراد عائلتيهما و على المجتمع ككل.

 وقد وصفت سوزان الكثير من تفاصيل ذلك اليوم وتفاصيل حياتها بعد الحادثة وتفاصيل طفولة ديلان بطريقة مؤلمة. بحيث يصعب عليها أن تربط الطفل المحب الذي ربته بالمجرم السادي الذي سبب كل ذلك الألم. فقد مرت العائلة بتهديدات بالقتل وبالإفلاس نتيجة مطالبة الاهالي بالتعويض، وبعد كل ذلك الضغط تم انفصال سوزان عن زوجها.

وقد أخبرتها الشرطة بعد خمس سنوات من الجريمة، بأن هاريس كان هو المخطط للجريمة بسبب كونه مجرم سيكوباتي، وأن ابنها كان مصاب بالأكتئاب، إلا أن كل منهما قد أثر على الأخر بطريقة سلبية مما أدى بالنهاية الى إرتكاب الجريمة.

بدأت القصة حسبما تقول سوزان في كتابها عندما أضاء هاتفها أثناء خروجها لحضور اجتماع برسالة صوتية من زوجها ثوماس الذي كان يعمل من المنزل حينها:

[quote]”سوزان هذه حالة طارئة! اتصلي بي فوراً[/quote]

لم يذكر أي شيء،. لم يكن مضطرا. لقد عرفت من نبرة صوته أن شيئاً قد حدث لاحد ابنائها.  شعرت أن أصابعها المرتعشة أخذت ساعات لمكالمة المنزل. تقول بأن نوبة  هلع وخوف اجتاحتها وبأن قلبها قد خرج من مكانه. فكرت بأن ابنها الأصغر ديلان كان في المدرسة، وشقيقه الاكبر كان في عمله. هل وقع حادث لأي منهما؟

 بعد اتصال سوزان في زوجها، لتعرف ما هو سبب الحالة الطارئة وصفت تلك المكالمة: 

[quote]

لقد حاولت جاهدة فهم ما يقوله توم لي: نيت، صديق ديلان المفضل اتصل به قبل دقائق ليسأله، “هل ديلان في المنزل؟” عند تلقيك مثل هذه المكالمة في منتصف يوم دراسي (حيث المفترض أن يكون الصديقان معاً) امر مقلق بما فيه الكفاية، ولكن سبب اتصال نيت كان أسوا كابوس يمكن أن يشهده والدين في الحياة ألا وهو: وجود مسلحون يطلقون النار على الطلاب في مدرسة كولومباين الثانوية، حيث يدرس ديلان.

[/quote]

gallery-1455598635-a-mothers-reckoning-image-sue-and-dylan-in-the-snow

اما عن تربيته فتكلمت سوزان لمجلة O، تحت عنوان “لن أعرف السبب أبداُ”:

[quote]

علمت ديلان كيف يحمي نفسه من جميع المخاطر؛ البرق، لدغ الثعابين، إصابات الرأس، سرطان الجلد، التدخين، شرب الكحول والأمراض الجنسية، إدمان المخدرات والقيادة المتهورة، وحتى التسمم باول اكسيد الكربون. لم يخطر لي أن الخطر الأكبر الذي .سيؤذيه- كما اتضح بعد- قد ياتي من الداخل . 

[/quote]

عندما كان ديلان طفلا، كان سهلا جدا. فقد كان طفلا موهوبا ومميزا. كانت لديه قدرة مميزة على التركيز، حتى إنه دخل إلى مدرسة للموهبين وهو في الصف الثالث. ولكن سن المراهقة لم يكن بنفس السلاسة.  فقد كبر ليصبح شابا خجولا، غير مرتاح مع نفسه. وعندما أصبح في المدرسة الإعدادية أو المتوسطى، فقد اهتمامه في التعليم. في الثانوية، أهمل مظهره، وأصبح منطويا على نفسه.  ولكن مشاكله لم تتحول إلى حقيقة حتى بدأ بقضاء الوقت مع إريك. حيث أصبح الإثنان يتورطان في مشاكل صغيرة، مثل سرقة سيارة وغيرها، عزاها الأهل إلى كونهما مراهقين. في يوم الجريمة، استيقظ ديلان باكرا وخرج مسرعا من البيت، لحقته أمه و قال لها وداعا بطريقة عادية. لم تدرك عندها، بأنها كانت كلمة الوداع الأبدية، وانها كانت أخر مرة ستسمع صوت إبنها فيها.

 وبالرغم من أن عائلة ديلان وأصدقائه لم يصدقوا لفترة طويلة جدا حقيقة تورطه في الجريمة، و أعتقدوا بأنه قد تم التضليل به أو خداعة للمشاركة، إلا أن الأشهر التي تلت تلك الحادثة كانت كفيلة بتغيير أرئهم. وقد لام من حوله أنفسهم بسبب عدم انتباهم لما حل به، وبدأوا جميعا يتساؤلون عن اللحظة التي حصل فيها التغيير على ديلان. بدأوا يسألون أنفسهم ماذا كان يمكن أن يفعلوا ليغيروا الواقع.

ولكن أكبر المتأثرين بدون شك، هي أم ديلان. فبالرغم من أنها ترى نفسها كضحية، لا يراها المجتمع من نفس المنظور. فالمجتمع رآها كشريكة في الجريمة إن لم تكن أكثر إجراما بسبب تربيتها لوحش. وقد أشعرها ذلك بالذل والخجل، لأنه بالرغم من كل شيء، أفعال ابنها تدل على أنه لم يتعلم الفرق ما بين الخطأ والصحيح.  تتمنى سوزان لو أنها تستطيع التكلم مع ابنها لمرة واحدة فقط لفهم ما الذي كان يدور بخلده، لتفهم منه السبب الحقيقي وراء أفعاله.  وبالرغم من أنها وصلت الى قناعة بأنه لم يكن يحبها، لأنه لو أحبها لمنعه هذا الحب من إرتكاب الجريمة. إلا انها تشعر بأنها من تحتاج لسماحة لأنها فشلت في معرفة إنه كان بحاجة إلى مساعدة.

سوزان كآلاف النساء في مجتمعنا العربي يحتجن بشكل يائس الى سلام، لن يتوصلوا له. لأنه بالرغم من كل شيء ستلوم هؤلاء الأمهات أنفسهن على فشلهن في إبعاد أبنائهن عن طريق يائس، أدى في النهاية الى تغيير حياتهن إلى الأبد.

صالون تيدكس: أمهات يجدن الصداقة عن طريق التسامح

بقلم شذى الشيخ 

Phyllis-Rodriguez-Aicha-el-Wafi-2

فيليس رودريغيز وعايشة الوافي. المصدر: TED

في عهد الإرهاب الذي بات يؤرق عالمنا من شماله إلى جنوبه، وجدت هذه القصة التي يملاؤها الأمل. فالسيدات المعنيات في هذه القصة  لسن من عالم الفن أو السياسة. وبالتأكيد لسن من السيداتٍ اللواتي يهتم الإعلام بإخبارنا عنهن وتعريفنا بقصصهن. فهنّ لا يروجنّ لألبومهن أو فيلمهن الجديد، وهن لا يقمن بدعم أجنداتٍ داخلية وخارجية بهدف زيادة أموالهن وشهرتهن محلياً ودولياً، بل هن سيدات وجدن صداقة فريدة من قلب المعاناة.

فيليس رودريغيز وعايشة الوافي هما سيداتان عانتا الأمرّين عقب تعرّض برجي التجارة في الولايات المتحدة الأمريكية لتفجيرات في الحادي عشر من سبتمبر. ففيليس فقدت إبنها الذي كان متواجداً يومها في أحد البرجين، أما عايشة فقد خسرت إبنها عندما قامت الحكومة الأمريكية باعتقاله لاشتباههم به في المشاركة بالقيام بتفجير البرجين. هؤلاء السيدتان، وعلى الرغم من اختلاف مواقف أبنائهن، أصبحتا صديقات.

قصة هاتين السيدتين وشجاعتهما ستجعلكِ تفكرين مليّاً بغيرك وبوضع احتمالية أنهم أيضاً قد يكونون ضحايا مثلكِ.

لن أتحدث أكثر من هذا، فلن يروي القصة الإنسانية هذه أحدٌ أفضل من فيليس وعائشة.

هذربات أم في عالم مليء بالإرهاب

بقلم مريم أبو عدس

أكثر جزئية مؤلمة في أخبار إرهاب الأسبوع الماضي، سواء في بيروت أو العراق أو أفغانستان أو فرنسا، بالإضافة الى كل الأرواح التي أهدرت بدون حق، هي أن مرتكبي هذه الجرائم كانوا صغاراً في السن.  ولعل صورة كل أولئك الشباب الذين تم تضليلهم هي أكثر ما يؤرقني كأم. فأتساءل كيف أحمي إبني بحيث لا ينجر وراء تيار العنف الذي يحيط بنا عندما يكبر. كيف أمنعه بأن يحمل الأفكار، التي أصبحنا نطلق عليها إسم “داعشية”،  عندما تكون هذه الأفكارمحبوكة في نسيج المجتمع بطريقة لا يمكن تمييزها؟ كيف أفسر له بأن كل المبادئ التي تحيط به خاطئة، و بأن كل ما يدور حوله هو ضرب من الجنون؟ 

Muslim women and girls mourn during the funeral of Hezbollah member Ali Abbas Dia, who was killed in the two explosions that occurred on Thursday in Beirut's southern suburbs, during his funeral in Baflay village, southern Lebanon

نساء مسلمات حزينات في عزاء علي عباس ضيا الذي قتل في تفجيرات بيروت يوم الخميس 12 نوفمبر\تشرين الثاني في قرية بفلة في جنوب لبنان. المصدر: رويترز

في كل مرة أسمع فيها عن عملية إرهابية، أجد نفسي أدعو الله من كل قلبي، بألا يكون مرتكبوها ممن يطلقون على أنفسهم وصف الإسلام. فلقد بدأت بمواجهة صعوبة في أن أفسر لإبني، بأن هؤلاء الأشخاص لديهم نفس الهوية التي نحملها نحن.  أجد من الصعوبة أن أقنعه بأن ديننا هو دين الرحمة وان الإله الذي نعبده يدعو نفسه بالرحمن الرحيم، وإن ما يفعله هؤلاء الأشخاص، لا يمت لديننا بصلة. ولكن الأصعب من كل ذلك، هو إعطائه قائمة طويلة من الأعذار التي جعلتنا نسمح لهؤلاء الأشخاص باختتطاف هويتنا، بدون أن نحرك ساكناً.

أسباب الإرهاب واضحة، لا تحتاج الى تفسير. الفقر والظلم والقهر، غياب الحكومات التي تعمل لأجل الشعب، الجهل، النفاق الدولي اتجاه العرب والمسلمين، الحروب العقائدية التي نعيشها، الإستعمار الفكري… كلها أسباب أدت إلى إنتاج جيل لا يعرف إلا القتل والدمار والعنف. كل تلك الأسباب واضحة،  ولكن ما يحتاج الى تبرير وتفسير هو دورنا نحن النساء، نحن الأمهات في الأحداث التي تدور حولنا.  فنحن نشكل أحدى العوامل التي أنتجت جيل يبرع في العنف.

France Paris Shootings

صورة لضحايا تفجير باريس الذي خلف ما يقارب ال160 قتيلا في حوادث هجوم منظمة في ستة مواقع مختلفة. كان يتم تغطية القتلى على الفور من قبل الشعب الفرنسي. تصوير: ثيبو كامو\ AP

 لتوضيح فكرتي، أحب أن أشارككن قصة حصلت معي البارحة. ارتدت صالون الشعر، ومن ضمن النقاشات النسائية المعتادة التي تُخاض في الصالون، خطر ببالي أن أسأل مصففة الشعر إن سمعت عن تفجيرات فرنسا. فأجابتني قائلة ” الله لا يردهم قد ما عملوا بالعرب والمسلمين. بستاهلوا”. دخلت معها في نقاش، اكتشفت فيما بعد إنه نقاش عقيم. ولكنه في ذات الوقت مثال واضح عما نتحدث عنه هنا.

السيدة في الصالون جعلتني أدرك بإننا قد تجردنا من مظاهر الإنسانية في تعاطفنا مع الضحايا. فقد أصبحت لدينا معايير مزودجة على جميع المستويات، حتى على مستوى التعاطف. نحن ننبذ العنف والظلم فقط إن كانا موجهان نحو أولئك الذين يشبهوننا أو أولئك الذين يحملون نفس أفكارنا، أو الذين يتبعون نفس عقائدنا. ولكننا لا ننبذ فكرة الظلم أو العنف بحد ذاتهم.  ما دام الأشخاص الذين يتعرضون للأذى مختلفين عنا سواء بالدين، أو بالشكل أو بالعرق، أو غيره، فهم يستحقون ما يحصل لهم.

لنأخذ الفكرة خطوة أبعد. نحن نشعر بالقهر من الظلم والعنف الذي أصابنا ويصيبنا “منهم”، بدون أن تكون ” المنهم” واضحة.  فالجميع موجودون في نفس الخانة. ولكننا لا نمانع في أن يلحق بهم نفس الظلم والعنف. 

كل هذا يدفعني للتساؤل عن وجه الإختلاف “بيننا” و “بينهم”.  

يكبرالأطفال وهم شاهدين على إزدواجية أمهاتهم.  يكبرون وقد انتقلت تلك الإزدواجية إليهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. أولئك الأطفال المشبعين بمشاهد العنف التي يتعرضون لها في الإعلام بشكل يومي، سواء في الأخبار أو في الأفلام أو حتى في الألعاب الإلكترونية. تضيع إنسانيتهم رُوَيْدًا رُوَيْدًا بدون إدراك أو وعي.  وبعد ذلك يأتي يوم كيوم الخميس، فنصاب بالصدمة لأن مرتكبي الجرائم صغاراً في السن.  نتساءل عندها ما هي التربية التي أنشأت جيلاً عنيفا. ثم نبدأ بتوجيه أصابع الإتهام إلى الفقر والجهل والحكومات وداعش وغيرها من المسببات، ونتناسى أن أولئك الشباب لم يكونوا ليفعلوا ذلك إن لم تكن تركيبتهم النفسية جاهزة لذلك. نتناسى أننا قد دربناهم على العنف منذ الصغر بأفكارنا العنصرية التفريقية.

Iraq

صورة من تفجير انتحاري العراق يوم الجمعة. خلف التفجير الذي حدث خلال جنازة لمقاتل شيعي ما يقارب ال١٨ قتيلا وسط صمت عالمي. تصوير خليل المرشدي\AP

لم يعد لدي ما أقوله سوى إنني أتمنى أن أنقل لإبني- معنى التعاطف الحقيقي والإنسانية المجردة من القيود. أتمنى أن أتمكن من نقل فكرة القبول والتعايش و التعددية له في أحضان مجتمع لا يعرف أيا من هذه الكلمات.  أتمنى أن يكبرليعيش في مجتمع مسالم، يفضل العلم والثقافة والسعادة على العنصرية والتفرقة والأحادية.

990586-shukria-1447392741-362-640x480

مجموعة نساء يحملن تابوت الطفلة شكرية التي تم قطع رأسها، بالرغم من أن عمرها لم يتجازو ال٩ سنوات وذنبها الوحيد انها جزء من الهزارة الشيعة. المصدر:  AP