أعيدوا لنا بهجة الحياة

تفوق الأرهابيون على أنفسهم هذا الشهر، بعدد الهجمات التي حصدت أرواحاً بريئة خرجت صباحاً لعملها أوشاركت باحتفالات دينية أو خرجت لتشجيع فرقها الرياضية المفضلة  أو حتى وبكل بساطة لأداء عبادة دينية.  لم تعرف إحداها أن في المساء ستُنشر صُورها في انحاء المدينة تحت كلمة”مفقودة”.

اكثر من 9 تفجيرات كبيرة خلفت وراءها عدد كبير من القصص الحزينة، ابتداءاً من تفجيرات تركيا الذي خلفا 97 قتيلاً ومئات الجرحى. وتفجير باكستان الذي قتل به 70 شخصاً بينهم 29 طفلاً، 3 تفجيرات بمطار بروكسل والذي اسفر عن موت 26 شخصاً، بالإضافة إلى 145 ضحية ما بين قتيل وجريح وقعوا في تفجير استهدف ملعب شعبي لكرة القدم في العراق، وأيضا 22 قتيلاً و35 جريحاً نتيجة تفجيران اقدمت عليه انتحاريتنا فجرتا  نفسيهما بمسجد في نيجيريا، حيث فجرت الأولى نفسها داخل المسجد، في حين قامت الثانية بتفجير نفسها خارج المسجد للتأكد من قتل جميل المتواجدين والفارين من التفجير الاول، بالإضافة إلى التفجيرات التي وقعت في اليمن وساحل العاج  وسوريا وأماكن أخرى لا يعلمها سوى الله. 

The-funeral-of-some-of-the-victims-of-a-suicide-bomb-attack

طفل لم يستطع تمالك دموعه خلال جنازة احدى الضحايا الذين وقعوا قتلى في ملعب شعبي في العراق في 25 آذار 2016، المصدر: AFP

 من المثير للإهتمام  بأننا لا نسمع أصوات الأمهات اللواتي ينفذ ابناؤهن عمليات إرهابية،  أو يتورطون في الإنضمام لتنظيم متطرف. هؤلاء النسوة يعانين الأمرين ما بين فقدان الابناء وإتهماهن بأنهن السبب بتربيتهن السيئة.  ولكن ما هو بروفايل أمهات داعش؟ هل هن متطرفات أم أمهات سيئات؟ أم هن أمهات كباقي الامهات ولكن تكالبت الظروف عليهن ووضعتهن في هذا الوضع الذي لا يحسدن عليه؟  قامت “الهافنجتون بوست” بإصدار تقريرا خاصاً يروي قصص أمهات فقدن ابنائهم من مختلف دول العالم،  بسبب تنظيم داعش. كان الاكتشاف الأعظم أن بعضهن أمهات ونساء عاديات جدا. 

151105 mother02.JPG

كريستان بوردو، المصدر: www.winnipegfreepress.com

كريستان بودرو، هي أم  واحدة من بين أربعة آلاف سيدة فقدن ابنائهن على يد تنظيم داعش. كيف استقبلت كريستان خبر انضمام ابنها الكندي الى التنظيم؟

[quote]

مازالنا كلنا نتألم من احتمال أن تتركنا جميعاً وتعرض نفسك للخطر بينما نحن نتساءل أإن كنت بخير.… فكرة أنّي لن أراك ثانيةً ولن أحضنك ثانيةً تمزق قلبي أشلاء. 

[/quote] 

هذه هي الرسالة التي قامت  كريستان بإرسالها لإبنها داميان أثناء تغيبه عن المنزل للانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية. ما هي كمية الأم التي تعرضت لها هذه الأم التي كانت تقضي كل دقيقة من وقت فراغها لمشاهدة أشرطة الفيديو التي ينشرها تنظيم “داعش” على امل ان تجد عيون ابنها خلف واحدة من الأقنعة؟

بدأت القصة باعتناق داميان الإسلام، وذلك بعد وقت قصير من خروجه من المستشفى بعد محاولته الانتحار في عمر 17 عاما، حيث أخبر داميان والدته انه يحب القرآن الكريم. وعلى الرغم من أن بودرو قد ربته على تعاليم المسيحية، الا انهارحبت باعتناقه الاسلام، فقد ترك زوجها الأول المنزل عندما كان داميان في العاشرة من عمره،  وفي ذلك الوقت، لجأ الصبي إلى عالم جهاز الكمبيوتر، هربا من العالم الذي اغضبه. ولكن بحلول عام 2011 لاحظت كريستان تغيراً ملحوظاً في ابنها، فقد كان يزور أصدقاءه الجدد كثيراً، وكان لا يأكل مع العائلة إذا كان هناك نبيذ على الطاولة، كما أنه كان يجيب على الهاتف خارج المنزل فقط، وكان يقول لأمه إن المرأة يجب تعتني بالرجال وإنه يفضل الزواج بأكثر من فتاة، كما كان يبرر عمليات القتل، وكأن الدين الإسلامي يبرر هذه القيم. 

في صيف 2012،  بدأ الصراع في سوريا وانتقل داميان ليسكن مع بعض اصدقائه المسلمين فوق مسجد في وسط مدينة كالجاري.  في نوفمبر من نفس العام، غادر داميان كندا، قائلاً لوالدته إنه ذاهب إلى مصر لدراسة اللغة العربية ليصبح إماماً. ولكن عندما طرق رجلان من المخابرات الكنديّة باب منزلها في يناير/كانون الثاني 2013، اكتشفت كريستان أسوأ معلومة يمكن لأم ان تعرفها عن ابنها، فقد تبين أن داميان ليس في مصر وأنما هة قد سافر إلى سوريا لينضم لتنظيم جبهة النصرة التابع لتنظيم القاعدة، ومن هنا أيقنت كريستان بأنها لا تملك شيئاً سوى البحث في المواقع الجهادية عن ابنها!

150219114559-07-damian-calirmont-santa-super-169

صورة عائلة داميان، المصدر: CNN

بدأ داميان في فبراير/شباط 2013، التواصل مع والدته التي كانت تستعطفه احياناً وتعنفه في أحيان اخرى ليعود  الى المنزل، ولكن دون جدوى. ولكن هذا التواصل لم يستمر طويلا، فقد انتصر تنظيم داعش على جبهة النصرة، فانضم داميان  إلى صفوف صفوف داعش.

في مساء 14 يناير 2014، اتصل مراسل صحفي بكريستان، ليخبرها ان هناك تغريدة على موقع تويتر، تفيد بأن داميان قد أُعدم من قبل الجيش السوري الحر خارج حلب. أُصيبت  كريستان بانهيار عصبي،  ولكن كان عليها استجماع قواها لتحافظ على بقية ابنائها. ساعدها في ذلك  دانيال كوهلرـالخبير الألماني المتخصص في مساعدة الاشخاص على الخروج من حركة النازيين الجدد، ولكنه في السنوات الأخيرة كان قد بدأ أيضا العمل مع المتطرفين المسلمين وأسرهم وهو يعمل في منظمة ألمانية تدعى الحياة. بعد وفاة داميان، بقي كولر على اتصال وثيق مع بودرو، في محاولة لمساعدتها على فهم ما حدث لابنها.

وقال كولر ان ما حدث كان عملية تطرف كلاسيكية حيث يشعر المجند بسعادة لأنه وجد أخيرا وسيلة لفهم العالم ثم يحاول تحويل المحيطين به بنفس الطريقة. الخطوة التالية  تكون أكثر احباطا، وذلك عندما يدرك الشخص الذي تم تجنيده أن أحباءه غير متقبلين لرسالته، ومن هنا تبدأ النزاعات العائلية في امور مختلفه مثل الجدل حول الملابس، والكحول، والموسيقى، وفي النهاية يضطر لمغادرة المنزل والهجرة لبلد مسلم. وفي المرحلة النهائية يمكن للشخص أن  يبيع ممتلكاته ويحاول ان يتمتع ايضا باللياقة البدنية أو نوعا من التدريب العسكريلأنه يرى أن العنف هو الحل الوحيد.

christianne_dailymail

كريستان مع ابنها داميان في طفولته وشبابه، وصورة اخرى له مع أعضاء تنظيم داعش، المصدر: lelkizona.blog.hu

بعد ستة أشهر من وفاة داميان، زارت بودرو كولر في برلين، وعرفها على ثلاث أمهات أخريات، كارولينا وتوريل وصليحة، قتل ابنائهن بعد الانضمام إلى الجماعات المتطرفة في سوريا. وأحضرت كل سيدة ألبومات الصور التي تحمل ذكريات خاصة بأبنائهن، وخلال هذه الجلسات النقاشية اكتشفن أوجه التشابه في قصصهن وكيف حصد التطرف أرواح ابنائهن.

بعد عودة كريستان من برلين، انخرطت في العمل التطوعي لتوعية العائلات التي تعاني من نفس المشكلة. كما استطاعت بمساعدة كوهلر، تأسيس منظمتين “حياة كندا” و”أمهات من أجل الحياة” لمساعدة الآباء والأمهات في تقويم الشباب المتطرفين، وجالت أنحاء كندا لتتحدث مع المعلمين والطلاب وإدارات الشرطة حول كيفية اكتشاف علامات التطرف في احد الأصدقاء والأقارب، وكيف تتعامل معها.