عندما يرسخ الإعلام الصور النمطية الجندرية بحجة الترفية

12573825_968153396571621_3405038064126454311_n

شذى الشيخ

على الرغم من محاولاتي لتجنب مشاهدة التلفاز وسماع الراديو في كل الأوقات، إلّا أنني أضطر في بعض الأحيان إلى معرفة ما يبثه الإعلام العربي من محتوى، من خلال ردود الأفعال التي أقرأها على صفحات التواصل الإجتماعي والتي يعبر فيها الناس عن رضاهم أو امتعاضهم مما يرونه ويسمعونه يومياً على المحطات العربية.

سبب انعزالي عن عالم التلفاز والردايو يعود، في الحقيقة، إلى كوني إنسانة “منفعلة”؛ فعادةً ما أستشيط غضباً عندما أسمع أو أرى محتوىً سخيفاً يقدّم للناس على أنه محتوىً صحيح وعلمي ومنطقي، لذلك قررت أن أنأى بنفسي عن كل هذه البيئة التي لا أجني منها سوى “وجع الراس” و”رفع الضغط”.

كنت قد قرأت مؤخراً، منشوراً كانت قد شاركته إحدى الفتيات على الفيسبوك تتحدث فيه عن برنامج “صَح صِح” الإذاعي والذي تقدّمه كل من المذيعتين ناديا الزعبي ورهف صوالحة على إذاعة روتانا في الأردن. المشكلة في البرنامج، الذي تعرفه غالبية الشعب الأردني، هو أن مقدمتيه يعرضان وجهة نظرهما في المرأة والرجل والعلاقة بينهما على أنه كلام علمي، وكلام منطقي، وكلام يستند إلى دراسات اجتماعية وعلمية فيما يخص شخصية المرأة وشخصية الرجل وأسرار نجاح العلاقة بينهما، في الوقت الذي لا تستند فيه وجهة نظرهما إلّا إلى الصور النمطية الجندرية التي أصبحت مبتذلة إلى حدٍّ بعيدٍ جداً.

المنشور الذي شاركته الفتاة على الفيسبوك تحدث عن استماعها لناديا ورهف وهما يتحدثان عن أن الرجل عبارة عن طفل وأن المرأة عبارة عن لعبة، وأن اللعبة في الأول تثير حماس الطفل إلى أن يلعب بها ويملّ منها فيتركها ليبحث عن لعبة أُخرى وذلك لأن اللعب كثيرة وهي ممتعة ومتوفرة.

الموضوع لم يتوقف هنا فحسب، بل تفوقت كل من رهف وناديا على نفسهما وشرحتا للمستمع كيف أن اللعبة (المرأة) هي السبب في شعور الطفل (الرجل) بالملل، وهي المسؤولة عن تركه لها لأنها لم تعرف المحافظة عليه.

لن أناقش هنا مدى سخافة طرحهما ولامنطقية قولهما بأن “اللعبة” هي المسؤولة عن الاحتفاظ باهتمام “الطفل”، ما سأناقشه هنا وما يهمني من كل هذا الموضوع هو مدى تأثير هذا الكلام، المليء بالصور النمطية الجندرية، على الناس التي تسمعه كل يوم صباحاً.

وسأبدأ بمدى تأثير الصور النمطية للرجل قبل تلك المتعلقة بالمرأة، لأظهر للناس بأن وضعهم للرجال كافة في هذا القالب يؤثر على الرجل سلبياً بالدرجة الأولى، ويؤثر بشكلٍ كبير على وجود المرأة في القالب النمطي الذي يسعى المجتمع جاهداً إلى حبسها فيه.

635940263255636955-676010678_sex-education-gender-stereotypes

المصدر: Google Images

القول بأن الرجل عبارة عن طفل لا يعتبر “مديحاً” كما قالتا مقدمتا البرنامج، فالحديث عن شخصية الرجل بهذه الصورة السطحية يعني بأن الرجل مهما بلغت درجات علمه وثقافته وتجاربه، يبقى إنساناً غير مسؤول عن مشاعره وأفكاره وتصرفاته، وبأنه فعليّاً كائن بإمكاننا “الضحك عليه” باتباع أساليبٍ وحيل تنطلي فقط على الأطفال الذين لم ينمّوا ذكائهم بعد والذين لا يفقهون بالحياة وتجاربها شيئاً.

كما أن في تحميل “اللعبة” لمسؤولية ملل “الطفل”، مغالطة فكرية واضحة تُدعى بمغالطة السيطرة الداخلية –Internal Control Fallacy– والتي تنص على أن الشخص يُحسّ بأنه هو المسؤول الأول عن المشاعر التي يُحس بها الآخرين حوله؛ أي أن هذه المغالطة الفكرية تجعل ناديا ورهف وغيرهما من النساء اللواتي يروجن لمثل هذه الترهات يعتقدن بأن من تتعرض لسوء معاملة من قبل شخص آخر، عليها أن تغير من سلوكها حتى يتوقف المسيء عن الإساءة لها –سواء كانت إساءة عاطفية، لفظية، جسدية أوجنسية- المهم أن هذه المغالطة مبنية على فكرة اعتقاد الشخص المُساء له بأنه هو سبب الإساءة التي يتعرض لها، لا المسيء).

لذلك إن أردت كل من رهف وناديا إثبات صحة كلامهما بخصوص الرجل “الطفل” والمرأة “اللعبة”، وبأن تصرفات المرأة تؤثر على السلوكيات التي يظهرها الرجل اتجاهها على المستويين الإدراكي والعصبي، فعليهما إذاً الإثبات بأن مغالطة السيطرة الداخلية ليست بمغالطة فكرية، وأنه علميّاً الشخص منّا مسؤول عن كل السلوكيات التي تصدر نحوه من الآخرين.

وبالإضافة إلى كل هذا، فإن إقناع الرجل بأن علم النفس والاجتماع يرونه كطفل وبأنهم يحررانه من مسؤولية أفعاله وتصرفاته، تدفعه إلى ارتكاب الأخطاء والحماقات بحق نفسه وبحق شريكة حياته دون أن يأبه بعواقب أفعاله هذه، الأمر الذي سيجعل مجتمعاتنا تمتلىء بالمزيد من الرجال الذي يؤمنون بأن كل ما يقومون به من أفعال شائنة ما هي إلّا ردة فعل للطريقة التي تتعامل فيها المرأة مع نفسها أو معهم حتى.

هذه الأفكار ستُثَبَّت في عقلية الرجل العربي والمرأة العربية وذلك لأنها باتت تقدم لهم من قبل مذيعين ومذيعات يُفترض بأنهم على قدرٍ كافٍ من الوعي والثقافة التي لا تسمح لهم بالحديث عن مواضيع تتعلق بعلم النفس والاجتماع دون أن يكون لديهم أي اطلاع عليها، أو بنشر الكلام دون التحقق من صحته علمياً، وهنا يكمن فعليّاً خطر الاستماع لمثل هذه البرامج من قبل أغلبية الشعب، فأغلبية الناس يظنون بأن من يظهر على التلفاز أو من يُسمعنا صوته على الردايو هو إنسان واعي ينقل معلومة دقيقة وموثوقة، وبما أننا نعيش في مجتمعٍ كل ما فيه يدفعك باتجاه الاعتقاد بما تسمع دون أن تتسائل عن صحته، بدءً من تربية الأهل وانتهاء بالمناهج التعليمية في المدراس والجامعات، فإن مجتمعنا يأخذ هذه المعلومة ويستهلكها ويتصرف بناءً عليها دون أن يدرك عواقبها عليه.

gender

المصدر: Google Images

وإن لم أكن أريد أن يتم ذكر مقدمتا البرنامج عدة مرات في المقال، إلّا أنني أرى في المحتوى الذي تقدمانه مثالاُ جيداً للحديث عن مشكلة الصور النمطية الجندرية المتعلقة بالمرأة، فعندما تقول إحداهما في إحدى حلقات البرنامج بأن المرأة تفضل أن يهديها الرجل المجوهرات على أن يهديها كتاباً، وبأنه لا يجب إعطاء المرأة مركز سلطة، وبأن المرأة “قليلة عقل”، يجب علينا أخذ كلامهم هذا وتحليل مدى تأثيره على صورة المرأة في مجتمعنا والتي هي صورة مشوهة بالأساس، وتأثيره على العلاقة بين المرأة والرجل.

كيف قررت مقدمتا البرنامج الحديث عن هذه المواضيع بالسطحية هذه دون التطرق إلى أسبابها، دون القول بأن تسجيل النساء لأعلى نسبة أميّة في العالم والتي تبلغ 64%، ومنع المرأة من الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة وتربيتها على أنها كائن تابع لرجلٍ عليه هو أن يكون المثقف والمتعلم وبأن مصيرها مهما بلغت من درجات العلم هو “بيت زوجها”، وبأن تربيتها على أن الرجل يخاف المرأة القوية والذكية لذلك عليها تجنب المطالعة وكل نشاط يعمل على تنمية شخصيتها وثقافتها ختى تحظى “بعريس الهنا”، هو السبب في عدم اهتمامها بالكتب؟

ألم ترى هذه المذيعة تناقضها مع نفسها، بقولها بأن المرأة قليلة عقل في الوقت الذي قالت فيه مسبقاً بأن على الرجل إهداء المراة الحلي بدلاً من الكتب؟ هل فكرت أن تخوض في الأسباب التي تجعل أغلب النساء  في مجتمعنا تهتم بالأشياء السطحية؟ هل فكرت بأن تخوض في عملية تربية المرأة في بيئة تغسل دماغها وتجعلها تصب جام اهتمامها على مظهرها فقط؟ بيئة تروج لها المذيعة بالقول بأن المرأة مثل اللعبة، أي أنها فارغة من الداخل وجميلة من الخارج، وسبب فراغها هذا هو إيمان المذيعة وأغلبية الشعب الذي تخاطبه بأن القراءة ليست من اهتمامات النساء؟

ألم ترى هاتان المقدمتان بأن الحديث عن “عدم السماح للمرأة بتولي السلطة” يعني بأن عليهن أولاً ترك المذياع الذي يتحدثان من خلاله للشعب قبل الحديث عن ما يجب السماح للمرأة القيام به، وذلك لأن المذياع يمثل سلطة رابعة، والمرأة لا يجب أن تكون في مركز سلطة؟ ألم يخطر لهما بأن وجود المرأة بالسلطة كان السبب في سنّ قوانين تحمي حياة المرأة وصحتها وحقوقها ؟ وأنه لولا محاربة هاتي النسوة للسطوة الذكورية على السلطة لمّا استطاعتا هاتان المقدمتان الخروج من منزلمها للتعلم أو العمل ؟

بالتأكيد، مقدمتا هذا البرنامج الصباحي لم تفكرا بأي شيءٍ قبل الحديث عن هذه المواضيع، ولم تفكرا بتناولها بموضوعية وبدقة قبل نشر أفكارٍ مغلوطة عنها، فلما تفكرا بعواقب نشرهن لمثل هذه الأفكار في الوقت الذي يتقاضين فيه راتباً على قيامهن  بالهرج والمرج على حساب صورة المرأة وعلاقتها بالرجل ؟

فيديو: إعادة تقويم الميزان. لاحظوا ردود فعل الأطفال!

 Screen Shot 2016-07-24 at 12.53.27 PM
لقطة من الفيلم، المصدر: يوتيوب

رحمة المغربي 

ميزت ردود الفعل المصدومة على وجوه الأطفال هذا الفيلم الذي هدف إلى تسليط الضوء على موضوع الأدوار الجندرية. حيث طلبت ممثلة تقوم بدور معلمة من طلاب تتراوح أعمارهم بين 5-7 سنوات في إحدة مدارس بريطانية الإبتدائية برسم وظائف في مواقع معينة، مثل عامل إطفاء، طب الجراحة والطيران الحربي. النتيجة كانت متوقعة، حيث مثلت  خمس لوحات من أصل  66 لوحة  نساء يعملن في هذه المواقع. صدم الأطفال من الواقع المغاير لتوقعاتهم. كيف؟

لا بد لنا أن نتذكر أن التنميط الجندري يحدث في الأعمار ما بين ٥ و ٧ سنوات في حياة الإنسان. حيت يسمى النهج الذي يخضع له الاطفال لكسب القيم والدوافع و السلوكيات  التي تعتبرها المجتمعات المختلفة مناسبة للذكور والإناث بعملية التنميط الجندري. فيقوم الأطفال بتطوير معتقدات قائمة على الجندر، وتنعكس على شكل الأدوار الجنسية في باقي حياتهم

في كثيرمن الأحيان يضع هذا النهج الأطفال تحت ضغط كبير و يجعلهم يومنون بأمور حان لها أن تتغير في المجتمعات العربية بسبب تغير الثقافات والظروف الاقتصادية والسياسية في عالمنا العربي. حيث أصبح دور المرأة يتجاوز موضوع الإنجاب والعمل المنزلي ليصبح لها دورا هاما في الخفاظ على تماسك العائلة ووضع الطعام على الطاولة وغيرها من الأمور الاساسية للحياة. 

عندما يتحول الزواج في العالم العربي الى فخ اجتماعي

شذى الشيخ 

لم تعجبني يوماً عبارات “ما شاء الله صايرة عروس”، “عقبال ما نفرح فيكِ” و”عقبال الفرحة الكبرى”، ولم أتوانى يوماً عن العبوس في وجه كل من يقولها لي؛ فمن حقي أن أعبر عن رفضي لكل شخصٍ يعتقد بأن له الحق في تحديد ماهية فرحة حياتي الكبرى.

مشكلة الزواج في مجتمعاتنا العربية تعود إلى عدّة أسباب تتعلق بأثر التنميط الجندري على البنت والولد على حد سواء، وبالطريقة التي نُربي بها أطفالنا عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الجنس الآخر، وبالغاية التي يسعى إلى تحقيقها الشاب أو الفتاة عند زواجهما، وبالتحولّ الذي شهده مفهوم الزواج في المجتمعات الإسلامية.

الأسلوب الذي نتّبعه في تربية أطفالنا والتمييز الجندري الذي نشعرهم به وهم يكبرون يؤثران بشكلٍ كبيرٍ على الطريقة التي يرون بها أنفسهم وبالطريقة التي يرون بها الآخر؛ فالتنميط الجندري يجعل الفتاة تعتقد بأن تعليمها وعملها في المستقبل ما هما إلّا أمراً ثانويّاً. وإن كان على العائلة في مرحلةٍ ما ولسببٍ اقتصادي الاختيار بين إرسالها هي إلى الجامعة وإرسال أخيها مثلاُ، فلن تتوانى عائلتها عن إيقاف تعليمها وإكمال تعليم أخيها، وذلك لأن المجتمع يرى بأن تعليم الفتاة وتشغيلها أمراً اختيارياً، بينما يعتبر تعليم الشاب وتشغيله أمرٌا إلزاميا، فهو بالنهاية من سيتحمل مسؤولية الإنفاق على المنزل والعائلة وحتى على والديه وأخوته في حالة فشل الأب لأي سببٍ من الأسباب في تلبية احتياجات عائلته.

لذلك حتى عندما تنهي الفتاة تعليمها الجامعي وتنخرط في الحياة العملية وتبدأ بتحقيق الإنجازات، يبقى المجتمع ينظر إليها على أنها ناقصة، وكلما تقدّم بها العمر، يبدأ الناس بالإشفاق عليها، وكثيراً ما يتم تسميعها عبارات مثل: “ما شاء الله عليكِ، طب ليش لهلأ ما تزوجتي؟”، “الشغل مهم، بس مش ناوية تستقري؟” و”ولا يهمك، الواحد ما بياخد إلّا نصيبه، والله دايماً بدعيلك الله يبعتلك إبن الحلال.”  

هذا عدا عن أن مجتمعنا ليس لديه أدنى مشكلة في التصريح “عينك عينك” بأن الفتاة غير المتزوجة هي فتاة يجب أن تنستر تحت “ظل راجل”.  فالفتاة خُلِقت لتُسِعدَ الرجل الذي خُلِقَ “ليسترها” بدوره. لذلك، نرى بأن الناس تتعامل بازدراء مع الفتاة التي لا تتنازل عن معاييرٍ معينة في الرجل التي تريد إكمال مسيرة حياتها معه، بينما نفس هؤلاء الناس يشجعون الرجل الذي يشترط على الفتاة ألف شرط حتى يرضى بها ويتزوجها، حتى ولو كانت هذه الشروط سخيفة وسطحية وتتعلق فقط بالمظهر الخارجي.

Untitled-6

أمّا بالنسبة للطريقة التي يعمل الأهل والمجتمع على ترسيخها في عقول أولادهم وبناتهم فيما يتعلق بالجنس الآخر، فهي عادةً ما تنص على أن أي لقاء يجمع الفتاة بالشاب هو لقاء محرّم، الغاية منه دائماً وأبداً ارتكاب كل ما هو خاطىء. الأمر الذي يجعلهما ينظران الى بعضهما كأدوات جنسية، و خاصة الشاب، فهو ينظر للفتاة على أنها أداة جنسية خُلِقت لتشبع رغباته، لا لأن تكون شريكة طبيعية له في المدرسة والجامعة ومكان العمل. أما الفتاة ، فالمجتمع يقنعها بأن الرجل عبارة عن “حيوان” بانتظار الفرصة للتحدث معها حتى ينقضَ عليها.

انقطاع التواصل بين الجنسين، بالإضافة إلى التعرض لكمية كبير من هراء الأفلام والمسلسلات، وحتى أفلام الكرتون التي لم تُقصّر يوماً في إعطائنا فكرةً خاطئة عن الجنس الآخر وعن العلاقات العاطفية، عملت سويّاً على جعل الفتاة والشاب يحملان فكراً مشوّهاً عن الجنس الآخر، وعن ماهية العلاقات العاطفية وعن مفهوم الزواج وعقباته.

جميع هذه العوامل جعلت الفتاة بالدرجة الأولى – بما أنها الطرف غير المسموح له بالاستكشاف في المجتمع على عكس الشاب- بتكريس كل جهودها للظفر بالعريس المناسب؛ فترى أغلب الفتيات المتأثرات بمجتمعاتهن مقتنعات بأن الجامعة تخدم هدفٌاً واحداً، ألا وهو اصطياد شاب مستعد لأخذ عنوان منزلها وطلبها من والدها. وإن خرجت من المرحلة الجامعية بخفيّ حُنين، فإنها ستصاب بالهلع، الأمر الذي سيجعلها تستقبل كل أمٍّ تُريد تزويج إبنها، وعرضِ نفسها عليها، على أمل أن تصبح “مستورة” و”كاملة” كصديقاتها وبنات خالاتها.

وطبعاً كلمّا تقدّم بها العمر، يصبح كابوس العنوسة شبحاً يطاردها أينما حلّت وارتحلت. وإن كانت الفتاة غير مبالية بموضوع الزواج من الأساس وتركيزها الوحيد منصب على تكوينها لذاتها وتحقيق النجاح في الميدان الذي تعمل به وإحداث فرقٍ في مجتمعها. يقوم المجتمع حينها بالقول بأنها مسترجلة لأنها تخوض ميدان العمل بهدف صنع إسمٍ لنفسها لا لتقضي وقتها كعزباء في مكانٍ ما إلى أن تجد شريكاً يحمل عنها هذا العبأ. أو مثلاً يقوم بمناداتها بالعانس أو المعقدّة أو المسكينة لأنها لم تجد إلى الآن رجلاً “يرضى بها”.

أمّا الشاب، فإنه يرزح تحت ضغط العائلة التي تريد تزويجه وذلك حتى ينجب ولداً يحمل إسمها، وحتى يتنسى له مخاوة أولاده فيما بعد. فلا يصحّ أن يتزوج الرجل على كبر، ففرصه حينها تقلّ في إيجاد فتاة صغيرة وعذراء. ولا يصحّ أيضاً أن ينجب في الأربعينات أو في الخمسينات من عمره، فحينها سيكون فارق العمر بينه وبين أولاده كبيراً جداً.

لذلك فإن الغاية من الزواج لدى الطرفين هي التكاثر وحمل إسم العائلة بالنسبة للشاب والارتباط بأي رجل لإسكات المجتمع بالنسبة للفتاة.

Untitled-6

ويبدو أن المجتمع لم يكتفِ فقط بحشو أفكار أبنائه بكل المفاهيم الخاطئة التي تخص فكرة مشاركة حياتهم مع شخصٍ آخر، فقام بتبني فكرة الرباط المقدّس الذي تعمل به الكنيسة الكاثوليكية عند تزويجها لأتباعها، وقام بتطبيقها في المجتمعات الإسلامية التي نصّ دينها بكل وضوح على أن الزواج عبارة عن عقد يتم بتراضي الطرفين ويتم إنهائه من قبل الزوجين في حال أخلّ أحدهما بشروط العقد.

مشكلة تطبيق هذا المفهوم في مجتمعاتنا الإسلامية هي أنه يعمل على جعل الزوجين يقبلان بالحياة التعيسة التي كان سببها أصلاً سوء اختيارهم لبعضهما وعدم فهمهما لمفهوم الزواج والغاية الحقيقة منه. فتحوُّل الزواج من عقدٍ كأي عقدٍ آخر إلى رباط أزلي يعني أنه على المقبلين على زواج معرفة أن حياتهم لم ولن تعود كما كانت سابقاً في حال تم الطلاق بينهما؛ فالفتاة ستصبح إمرأة مطلقة تحوم الشكوك حول السبب الذي جعل زوجها يطلقها. كما أنها سوف تعاني في جميع الأحوال؛ فإن تزوجت مرّةً أُخرى فالمجتمع لن يتركها وشأنها وإن قررت عدم الزواج والعمل للاعتماد على نفسها والاعتناء بأطفالها في حال كانت أمّاً، فإنها سوف تصبح أيضاً في مواجهة قوية مع المجتمع الذي لا يستطيع تحمّل رؤية إمرأة قوية قادرة على إكمال حياتها بدون رجل.

أمّا الرجل المطلق كما سبق أن ذكرنا سابقاً فإن حظوظه تقل في الحصول على فتاة في العشرينات من عمرها ولم يسبق لها الزواج من قبل، فالأهل عادةً ما يرون أن عذرية الفتاة وصغر سنّها يزيدان من قيمتها في المجتمع، وبالتالي فهي تستحق عريساً مُتعلّم ويتمتع بوضعٍ مالي مريح ولم يسبق له الزواج من قبل.

هذه الأسباب جميعها عملت بشكلٍ كبير على جعل أمراض المجتمع كافة تأخذ زمام الأمور في تحديد مفهوم الزواج وتشوّيهه ومن ثم ترسيخه في المجتمع كمنظومة تعمل كل يوم على إحباط عددٍ كبير من الشباب والفتيات سواء كانوا متزوجين أم لا؛ فلا الفتاة يجب أن تقتنع بأن شخصها لا يكتمل إلّا بزفّها إلى رجلٍ ما، ولا الشاب عليه أن يتزوج لينجب أولاداً يحملون إسم عائلته. كما أنه لا يجب على المرء مشاركة حياته مع أيٍّ كان فقط لإسكات المجتمع الذي لن يرحمه في حال قرر إنهاء زواجه مع شريكه.

أمّا الأهم من كل هذا فهو أن الزواج ليس له عُمرٌ محدد حتى نُلَقِبّ فلانة أو فلان بالعوانس عند بلوغهم سنّاً معيّناً؛ الزواج يأتي وقته عندما نلتقي بالشخص الذي تتناسب أفكاره ومعتقداته ومبادئه وأسلوب حياته مع أفكارنا ومعتقداتنا وأسلوب حياتنا، ذلك الشخص الذي باستطاعتنا تقبّل معه فكرة أننا سوف نقضي معه بقية حياتنا وأننا سنستيقظ كلّ يوم لنراه أمامنا وأننا معه سَنُكَوِّن أسرةً صحية خالية من التناقضات والخلافات المستمرة التي غالباً ما يكون سببها عدم الاحترام والانتقاص من قيمة الآخر وتحقيره والاستقواء عليه.