ما الذي يحمله لقب آنسة؟

Web

لفتت إحدى صديقاتي نظري الى نعي” أنسة” في الجريدة اليومية.  لقب أنسة أثار اهتمامي. وكأي شخص يحب الدراما، فكرة وفاة شخص صغير في العمر هي فكرة مؤلمة ومثيرة للفضول في آن واحد. أخذت أبحث في الخبر علني أجد سبب الوفاة، فأدركت بأنني فهمت الموضوع خطأ، فالانسة المعنية  في الخبر كانت امرأة في السبعينيات. لم تكن أبدأ يافعة صغيرة في ريعان شبابها كما توحي كلمة أنسة المستخدمة لوصفها. 

كصديقتي شغلني لقب أنسة وشغلنتي السياسة المجتمعية التي تُعرِّف النساء بناء على علاقتهن بالرجال ، فإن كن متزوجات، هن سيدات وأن كن غير متزوجات فهن آنسات.  في نفس الوقت الذي لا يهم فيه حال الرجل، فهو “سيد” سواء كان متزوجاً أم لا . ولم لا؟ فالرجل يستطيع الزواج في مجتمعنا حتى وإن كان متزوجا.  وهو “استاذ”، حتى وإن لم يكن يحمل أي شهادة جامعية، فكما يقول المثل ” لا يعيب الرجل الا جيبه”، لذلك لا أهمية للّقب الذي يحمله الرجل. 

 بالتأكيد هذا التمييز ليس فقط بين الرجل والمرأة،  بل هو تمييز بين المرأة والمرأة. وبناء عليه قررنا أن نفهم الموضوع من أصلة عن طريق العودة إلى المنهل لمعرفة أصل وفصل هذه التفرقة العنصرية. 

قد عرّف المعجم الوسيط اللقب: اسم وضع بعد الاسم الأول للتعريف أو التشريف أو التحقير. أما قاموس المعاني فقد عرف كلمة سيدة بأنها كلّ امرأة متزوّجة. كما عرفها بأنها امرأة ذات مركز أو صفة رسميَّة،  وهو أيضا لقب يُطلق على كلّ امرأة تعبيرًا عن الاحترام. أما كلمة أنسة فهو لقب يطلق في حالة واحدة لا ثاني لها، ألا وهي الفَتَاةُ البكر! بمعنى أخر هي الفناة العذراء، وفي مجتمعنا هو يعني الفتاة غير المتزوجة.

أما ويكيدبيا ، فقد عرّف لقب آنسة بأنها كلمة إنجليزية تشريفية تستخدم تقليدياً فقط لامرأة غير متزوجة (إن كان لا يحق لها لقب آخر مثل الدكتورة أو الاستاذة أو غيره…).   وبناءاُ على التعريفين السابقين نستنتج أن حصول المرأة على لقب “آنسة” في أي عمر، في مجتمع يؤمن بأن الزواج هو أعظم الإنجازات هو تعبير عن فشل مخجل؛ لأن هذا اللقب لا يطلق إلا على الفتاة غير المتزوجة وغير المتعلمة تعليماً يضمن لها لقباً آخر. بمعنى أخر هو تعبير عن فشل تحصيل المرأة على لقب آخر تشبع به المجتمع، و فشلها بايجاد زوج ينعم عليها بلقب سيدة. 

Web

أما بالعودة  الى آنستنا، فيبدو أن لعنة الألقاب التي بُدئ باستخدامها في القرن السابع عشر تلاحق البشر حتى بعد الموت.  فالأحكام تصدر على الشخص وعلى نوع الحياة التي عاشها بناءاً على اللقب الذي يوضع قبل اسمه في النعي. ومن هنا نرى بأن حياة هذه الآنسة كلهما تلخصت في كلمة واحدة، بالرغم من وجود عدة احتمالات؛ منها أنها لم تكن متعلمة تعليما مثيرا للإعجاب لانه لم يسبق اسمها أي  لقب اكاديمي،  أو أنها عاشت في كنف عائلة تعتقد بأن إنجاز الزواج هو أهم من إنجاز الشهادة،  فاختاروا وضع كلمة  آنسة لأنها لم تكن متزوجة. أما أهم من ذلك، فنستنج بأن هذه السيدة أمضت حياتها وحيدة، بغض النظر إن كانت هذه هي حقيقة حياتها وإنجازاتها.

اللغة العربية لغة ثرية جدا، وكجميع اللغات تؤثر طريقة استخدام اللغة على طريقة تفكير مستخدميها. السؤال الذي يجب أن نطرحة هنا كيف يمكن أن نغير من طريقة تفكير المجتمع العربي نحو النساء إن كان استخدام اللغة  فيها تفرقة عنصرية ضد المرأة؟  

صالون تيدكس: لا تقتلوا لغتكم

suzan

المصدر: Arab Passioneers

شذى الشيخ

تتحدث سوزان تلحوق، المستشارة الإعلامية ومؤسسة جمعية فعل أمر، عن اللغة العربية وعن مشكلتنا معها وعن الكيفية التي ينظر بها العرب اليوم إليها وكيف أصبحنا نتبرأ منها باسم “مواكبة العصر”.

تقول سوزان بأن مشكلتنا تكمن في أننا نرى لغتنا وكأنها حاجز تقف بيننا وبين التقدم والتطور؛ وهو أمرٌ خاطى ولكن طبيعي في نفس الوقت. فنحن نعيش في عالمٍ يتبع الضعيف فيه القوي، لذلك عندما يرى شبابنا دولاً متطورة تتحدث الإنجليزية والفرنسية، فإنهم سيشعرون بأن موكبتهم للعصر تعني اتباع كل ما يقوم به الناس في هذه الدول،  وأن يتخلوا عن كل ما يتعلق بالبلد التي يأتون منها وذلك لأن دولهم تعتبر من دول العالم الثالث.

حديث سوزان جعلني أفكر فعلياً بأبعاد مشكلة الرعب من اللغة وأسبابها.  وقد توصلت إلى أن مشكلتنا هذه تكمن في موضعين: الأول هو جعل الآخر يقوم بتعريفنا نحن وكل ما يخصنا من قضايا بدلاً منّا، والثانية تكمن في الطريق التي يتم فيها الحديث عن اللغة العربية والتعامل معها بنوعييها العامّي والفصيح.

إن التبعية التي استعبدت العرب اليوم، جعلتنا “نستعرّ” من التحدث بلغتنا الأم، اللغة التي توحدنا جميعاً كعرب من المحيط إلى الخليج.  برأيي الشخصي، فإن مشكلتنا الحقيقة تكمن في عدم قدرتنا على تعريف أنفسنا والأشياء من حولنا بأنفسنا، فنحن اليوم نسعى إلى تبني كل التعريفات والنظريات الغربية المتعلقة بكل ما يدور حولنا، مما يجعلنا نعاني فعليّاً من عقد نقص أمام الآخر.

فنحن اليوم، نلامس أثر هذه المشكلة عند تحدثنا عن أكثر قضايانا المصيرية، فالكثير من العرب تخلّوا مثلاُ عن فكرة أن قضية الفلسطينية هي قضية استعمار واستطيان وأصبحوا مثلاً يروجوا لها على أساس أنها قضية تمييز عنصري، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، طبعاً.

أما المشكلة الثانية والمتعلقة بالكيفية التي نتعلّم بها اللغة العربية وبالكيفية التي نتعامل بها معها ايضاً، فإنها تعود لأسباب عدّة أهمها التعامل مع العربية العامّية بطريقة إقصائية، وحصر استخدام اللغة العربية الفصيحة في كل ما هو تاريخي أو ديني أو خيالي (أفلام الكرتون).  وفي كلتا الحالتين فإن اللغة العربية الفصيحة في مخيّلة العرب لا ترتبط بواقعهم وبمجريات حياتهم اليومية، الأمر الذي يجعلنا نرى لغتنا الأم كلغة “عتيقة” أو كما نقول بالعامّية “دقّة قديمة”.

لذلك، ومن وجهة نظري الشخصية، يجب علينا أن نقوم بالأول بإعادة تعريف أنفسنا ولغتنا وقضايانا من وجهة نظرنا نحن لا من وجهة نظر الآخر، كما يجب على علماء اللغة أيضاً ألا يفصلوا بين العامّية والفصيحة، فكلتهما يكمّلان بعضهما البعض؛ فاللهجة العامية ساهمت وبشكلٍ كبير في عملية نضوج النفس عند الشعب العربي ككلّ، لذلك فإن التعامل معها بإقصائية لن يعمل على إعادة استخدام اللغة العربية الفصيحة بشكلٍ أكبر، بل إن استخدامها في تطوير العربي الفصيح سيجعل اللغة العربية قادرة على تلبية حاجات متكلميها وسيجعلها تبدو في نظرهم عصرية. وبهذا فإنهم لن يحتاجوا أن يقوموا باستخدام لغاتٍ أُخرى للتعبير عن موجودات عصرهم ومشاكله.