صالون تيدكس: كيف أنقذت طفلة فلسطينية قرية كاملة من بلدوزرات اسرائيل

f67f17e1df4e8d46cdddc96c2ddd77b03128e49d_800x600

شذى الشيخ

تتحدث صانعة الأفلام البرازيلية جوليا باشا عن أهمية دور المرأة في قيادة الحملات السلمية لمواجهة الصراعات في دول العالم. جوليا التي كانت قد توجهت إلى فلسطين لتوثيق قصة بلدة “بدرس” في رام الله، قالت بأنها وعلى الرغم من اقتناعها حينها بأن ذهبها إلى فلسطين ما هو إلّا لتوثيق حكايا هذه البلدة، إلّا أن شيئاً ما كان دائماً يدفعها للعودة هناك. 

بلدة بدرس لمن يعرف، هي بلدة صغيرة استطاعت نساؤها حمايتها من الاختفاء عن الوجود عندما قررت حكومة الاحتلال الإسرائيلي بناء الجدار العازل، وكانت حكوة الاحتلال مصرة على بناء هذه الجدار على الرغم من مقاومة رجال البلدة لهذا القرار، إلّا أن طفلة فلسطينية تبلغ من العمر 15 عاماً، قامت بمواجهة بولدوزر إسرائيلي بجسدها لمنعه من اقتلاع شجر الزيتون، وبالفعل استطاعت هذه الفتاة إيقاف هذا البولدوزر بعد أن واجهته بكل شجاعة وعند.

الفعل المقاوم الذي قامت به هذه الفتاة، لفت نظر أهل البلدة إلى الدور الشجاع والمؤثر الذي قد تؤديه المرأة في حال تم إشراكها في حملات مواجهة الصراع مع الحكومة الإسرائيلية، وبالفعل تصدرت مقاومة النساء المشهد، ولمدة عشرة شهورٍ كاملة لم تتراجع نسوة قرية بدرس عن مقاومتهن، الأمر الذي حمى القرية من الإندثار في غياهب النسيان.

هذه القصة ألهمت جوليا لدراسة أثر المقاومة السلمية على الصراعات في العالم، واكتشفت أنه في دراسة  ل323 من الصراعات السياسية الكبرى منذ سنة 1900 إلى 2006، وجدت (ماريا ستيفان) و(إريكا شنويث) أن الحملات السلمية كانت تفضي إلى النجاح بنسبة 100% بالمقارنة مع الصراعات العنيفة. ومن النادر أن تتسبب الحملات السلمية في الأذى الجسدي لأنصار الحملة، كما لمعارضيهم. ونوعياً، فهي تؤدي إلى خلق مجتمعات مسالمة وديمقراطية بدرجة أكبر. بمعنى آخر، فإن المقاومة غير المسلحة تعدّ طريقة أكثر فعالية وبناءة لخوض الصراع.

ولكن يبقى السؤال، إذا كان الخيار السلمي سهلاً لهذه الدرجة، فلماذا لا نلجأ إليه أكثر؟ 

في بحث العالم السياسي (فيكتور أسال) وزملاؤه في مجموعة من العوامل التي تشكل الخيارات التكتيكية للفرق السياسية. تبين أن أكبر مؤشر لقرار حركة ما لتبني العنف أو اللاعنف ليس انتماء هذه الفرقة لليمين أو اليسار، وليس إن كان هذا الفريق متأثراً بشكل أو بآخر بالمعتقدات الدينية، وليس لأنه يناضل ضد الديمقراطية أو الديكتاتورية، وليس حتى درجات الاضطهاد التي تواجهها هذه المجموعة. أكبر مؤشر لقرار حركة ما لتبني اللاعنف هو إيديولوجيتها المرتبطة بمشاركة النساء في الحياة العامة.

عدا عن ذلك، فإن تغطية الإعلام لقصص الحملات غير السلمية تفوق ألف مرّة تغطيته لقصص الحملات السلمية، الأمر الذي يحمي هذه القصص ونجاحاتها، ويبطل مفعولها في خلق قدواتٍ ينظر إليها الناشطين من صغار السن وكباره، وتستدل جوليا على هذا الكلام بدلائل واحصائيات أُعِدّت إبّان الانتفاضة الفلسطينية الأولى والفترة التي كانت تعيش فيها أميركا صراعاً يتمحور نحو المساواة والعدالة العرقية. 

نساء الزيتونة اجتمعن وجمعن العالم معهن من أجل غزّة

VELERO-ZAYTOUNA-GAZA

شذى الشيخ

ربما لم تكن النسوة الثلاثة عشر اللواتي ركبن مركب”الزيتونة” يتوقعن أن يتم التفاعل مع القضية التي أبحروا من أجلها، بهذا الشكل. هؤلاء النسوة اللواتي اجتمعن تحت راية “رفع الحصار عن غزّة” أبحرن في سبيل هذه القضية بقيادة ميريد ماچواير الحائزة على جائزة نوبل ومالين بيورك عضو البرلمان الأوروبي .

المركب الذي انطلق من ميناء برشلونة في السابع والعشرين من الشهر الماضي، حمل على متنه 13 إمرأة تركن حياتهن وعائلاتهن وعملهن ورفاهيتهن خلفهن وقررن أن يبحرن بمركب الزيتونة من أجل لفت أنظار العالم نحو الحصار الذي يفرضه الكيان الصهيوني على قطاع غزّة منذ عام 2005 والذي حوّل القطاع إلى أكبر سجن مفتوح في العالم.

بينك فلويد يجتمعون للغناء من أجل فلسطين

شجاعة هؤلاء النسوة اللواتي أتين من أميركا والسويد والنرويج واسبانيا والجزائر ونيوزلندا وإيرلندا وماليزيا وجنوب افريقيا وكندا وأستراليا وروسيا، كانت أكبر من أن يتجاهلها العالم، فبسببها قررت الفرقة الغنائية Pink Floyd الاجتماع مرّةً أُخرى للغناء بعد غيابٍ دام إحدى عشر عاماً من أجل دعم نساء الزيتونة ومن أجل التأكيد على أن الفرقة تدعم حق الفلسطنيين في التحرر من الاحتلال الصهيوني الواقع عليهم.

rexfeatures_801983d

الفرقة الإنجليزية Pink Floyd تقف إلى جانب الفلسطنيين وتدعم نساء “الزيتونة” في مسيرتهن نحو كسر الحصار الواقع على الغزة. المصدر: Gigslutz 

نشر أعضاء الفرقة الثلاثة الباقون على قيد الحياة رسالة كتبوا فيها:

[quote]

“يقف ديفيد غيلمور ونيك مايسون وروجر ووترز متحدين دعماً لنساء قارب الحرية الذي اتجه إلى غزة، ويستنكرون الاعتقال التعسفي لهن في المياه الدولية من قبل قوات الدفاع الإسرائيلية”.

[/quote]وعلى الرغم من اكتفاء كل من غليمور ومايسون بهذه الرسالة وبالاجتماع في حفلٍ غنائي من أجل غزّة، إلّا أن وترز، كالعادة قرر أن يدعم غزّة ونسائها بأسلوبٍ فيه تحدٍّ “لإسرائيل”، حيث قام وترز في الشهر الماضي بنشر فيديو على صفحته الخاصة على الفيسبوك، الفيديو مسجل من تحضيراته لحفلٍ غنائي قرر إقامته في مدينة مكسيكو سيتي من أجل دعم القضية الفلسطينية. وظهر وترز في الفيديو وهو يوجه تحياته للنساء المتوجهات لغزة ولجماهير سيلتك الذين رفعوا أعلام فلسطين عندما قام فريقهم باللعب ضد فريق هبوعيل بئر السبع الصهيوني. 

هذه المبادرة التي تشكل جزءً من التحالف الدولي لرفع الحصار عن غزّة “أسطول الحرية 4″، قررت أن تكون هذه المرّة نسائية بحتة حتى توجه الأنظار نحو نساء غزّة المقاومات وحتى ترسل رسالة للعالم مفادها أن هؤلاء النسوة اللواتي اجتمعن من جميع بقاع الأرض يدعمن المرأة الغزاوّية ويدعمن مسيرتها في مكافحتها للعدو الصهيوني بكل السبل الممكنة.

وعن التجربة التي خضنها على متن قارب الزيتونة في مياه البحر الأبيض المتوسط، قالت الكندية ويندي جولدسميث في تصريحٍ للجزيرة.نت:

[quote]”في الوقت الذي نبحر،نعمل على تسلية أنفسنا وتمضية وقتنا بالتعرف عن بعضنا البعض وبالحديث عن الأسباب التي دفعتنا للاجتماع هنا وعن المعنى الذي تحمله هذه المهمة في رأي كل واحدةٍ منّا. وبالرغم من اختلافنا من حيث الخلفيات والتجارب التي خضناها، إلّا أن ما يجعلنا نضع كل هذه الاختلافات خلفنا ونشعر بأننا نتمني للمكانٍ واحد هو رغبتنا بتحقيق العدالة والسلام والحرية لغزة.”[/quote]

وتوقعت نساء “الزيتونة” عدم سماح بحرية الكيان الصهيوني لهن بالوصول إلى غزة وبقيامها باحتجازهن في ميناء أشدود، وهذا ما حدث بالفعل؛ فعندما اقترب القارب من الوصول إلى ميناء غزّة، اعترض خفر السواحل “الاسرائيلي” طريق القارب وطالب هؤلاء السيدات بتغيير مسارهن، إلّا أنهن رفضن ذلك واستمرن بالإبحار نحو غزّة. فقام خفر السواحل بمحاصرة القارب والسيطرة عليه وتحويلهن إلى ميناء أشدود، حيث تم احتجازهن هناك لبضع ساعات. وعلى الرغم من وجودهن تحت سيطرة جيش الاحتلال “الاسرائيلي” إلّا أنهن قمن برفع الأعلام الفلسطينية فور وصلهن لميناء أشدود، حتى يظهرن للعالم بأن دفاعهن عن الحق يمدهن بالجرأة والشجاعة اللازمتين للدفاع عنه وعن عدالة قضية الشعب الفلسطيني.

وبإمكاننا القول بأنه وعلى الرغم من عدم استطاعة هؤلاء النسوة الوصول إلى شواطىء غزة لملاقاة نساء غزّة والاحتفال معهن بكسر  الحصار ولو معنويّاً كما كن يتمنين، إلّا أنهن النجاح في لفت العالم إلى حقيقة أن الظالم والمحتل واللأخلاقي واللإنساني في معادلة القضية الفلسطينية هو الطرف الاسرائيلي لا الفلسطيني، ففي هذه الخطوة التي قامت بها هؤلاء النسوة القويات، خير دليل على أن القضية العادلة هي الراية والجنسية التي يحملها مواطنين الأرض بغض النظر عن دينهم وأصلهم ولونهم وعرقهم. وفيها تأكيد على أن الظلم لم ولن يجلب للظالم سوى المزيد من المقاومة والكفاح ولن يزيله سوى خوفه من اتحاد الأفراد والشعوب تحت راية محاربته ومقاطعته وإظهار جرائمه للعالم. 

المجزرة: وثائقي يسرد أحداث مجزرة صبرا وشاتيلا من وجهة نظر مرتكبيها

Massaker

شذى الشيخ 

“يقول شكلوفسكي فى مقال نقدي، لعله أشهر مقالاته شيوعا: إن التعود يلتهم الأشياء، يتكرر ما نراه فنستجيب له بشكل تلقائي، كأننا لا نراه؛ نقوم بنفس الأعمال بآلية، كأننا لا نقوم بها. لا تستوقفنا التفاصيل المعتادة كما أستوقفتنا في المرة الأولى، نمضي وتمضي، فتمضي بنا الحياة كأنها لا شئ، تذهب سدى.” – رضوى عاشور، أطياف

بهذه الكلمات قد نصف ما حلّ بقضية صبرا وشاتيلا، فبعد مرور 34 عاماً على حدوث المجزرة، اعتاد الناس على التضامن مع ضحاياها لأنهم لم يستمعوا سوى لقصصهم هم، شعورهم بالتضامن ينبع من حزنهم على ما حلّ 3500-5000 فلسطيني كانوا ينامون بسلام عندما قامت المليشيات المسيحية اللبنانية بمساعدة الجيش الإسرائيلي بمحاصرة المخيم وذبح وقتل واغتصاب سكانه على مدار ثلاثة أيام.

استماعنا لقصة المذبحة من وجهة نظر ضحاياها ومن شهد حدوثها، عمل على تسطيح مشاعرنا وجعل المشاعر التي نحملها اتجاه مرتكبي المجزرة تقتصر على مشاعر الغضب، في الوقت الذي من المفترض أن نشعر فيه بمشاعر أعمق من ذلك بألف مرّة، مشاعرٌ تعكس خوفنا وقلقنا من وجود أناسٍ ارتكبوا أفظع الجرائم في تاريخ البشرية ولايزالوا يعيشون بيننا بدون أن تتم محاسبتهم، مشاعرٌ تتحدث عن إحساسنا بالخطر من قدرة “العنف الجماعي” والرغبة في الانتقام على تحويل المرء إلى حيوانٍ مجرّد من أية أحاسيس قد تجعلنا ننظر إليه، ولو للحظة، ككائن حي يمتلك قطرة واحدة من الإنسانية.

وهذا بالضبط السياق الذي عمل الفيلم الوئاثقي “المجزرة” للمخرجة الألمانية مونيكا بورغمان على إخراجنا منه؛ فبدلاً من أن يروي الوثائقي أحداث القصة من وجهة نظر الضحايا، قام الفيلم بمقابلة ستة قتلة من مليشيات لحدّ، وجعلهم جيمعاً يروون جرائمهم دون أن يتم التعليق على كلامهم من قبِل محلل أو معلق كما يحدث غالباً في الأفلام الوثائقية.

في البداية، يتخيل لمتابع الفيلم بأن طريقة التصوير سيئة، إلّا أنه يتضح فيما بعد بأن المخرجة تعمدت إظهار محتوى فيلمها بهذه الطريقة. بريغمان لم تظهر وجه أي شخصٍ من هؤلاء القتلة، بدلاً من ذلك قامت التركيز على جسدهم ولغته، لتكشف لنا مشاعرهم حول ما ارتكبوه من جرائم ومشاعرهم حين ارتكبوها.

رواية القتلة لما قاموا بفعله لضحاياهم من قتل وتنكيل بالجثث واغتصاب مزعج إلى حدٍّ بعيد؛ فعدا عن فظاعة جرائمهم، فكرة أنك تنتمي إلى نفس الجنس البشر الذي ينتمي إليه هؤلاء القتلة يجعلك تريد أن تنسلخ عن كل ما قد يجعل هؤلاء محسوبون عليك.

أصوات القتلة، وشرحهم للكيفية التي ارتكبوا فيها المذبحة تظهر لنا جلّياً عدم شعورهم بالندم اتجاه ما ارتكبوه من جرائم، بل على العكس، يشعر المشاهد بمدى الغيظ والحقد الذي لازال يملأ قلوبهم اتجاه ضحاياهم.

ففي المشهد الأول من الفيلم نرى يداً ترسم دائرة يشرح من خلال القاتل الطريقة التي تم فيها محاصرة المخيم ومهاجمته، ومن ثم يقوم بإخبار المخرجة بأن شعارهم عندما توجهوا نحو المخيم، كان: “كبير، صغير، مقمط بالسرير، ما في بقلبكم رحمة” في دلالة على عزمهم على قتل أي روح داخل المخيم. بعد ذلك يسترسل القتلة في رواية جرائمهم بدون أسفٍ أو ندم، فمنهم من يقول بأنه قام باغتصاب فتاةٍ ثم قتلها طعنا ثم بال على جثتها، ومنهم من قام بحفر حفرة ورمى فيها الناس وقتلهم بالمواد الكيماوية ليتخلص منهم ومن جثثهم مرةً واحدة، ومنهم قام بتمثيل الكيفية التي كان يطعن فيها ضحيته مع شتمه ومنهم من قال: “أول حدا بتقتلوا بكون صعب الموضوع، التاني والتالت بصير أسهل، ع الرابع بتصير تستمتع بالشعور.”    

image.adapt.960.high.ariel_sharon_07a

 آريل شارون المسؤول عن تدريب المليشيات اللبنانية المسيحية والمسؤول عن مجزرة صبرا وشاتيلا. المصدر: Aljazeera

أمّا المرعب أكثر في الاستماع إلى روايتهم، هو رؤية تأثير “العنف الجماعي” على تحويل المرء من إنسانٍ سوي إلى حيوان، ففي إحدى المقابلات التي أجرتها بورغمان، يقول الشخص بأنه لم يستطع في البداية الدخول إلى المخيم وقتل من في داخله، فعاد إلى منزله وحاول النوم، إلّا أنه لم يستطع النوم وذلك بسبب شعوره بضغط الجماعة التي كان ينتمي لها عليه، فعاد إلى المخيم وقام بقتل عجوزٍ كان نائماً في سريره ومن ثم عاد إلى بيته وهو سعيد بأن لا أحد سيستطيع بعد الآن مناداته بالجبان.

هذا الوثائقي الذي أخرجته الألمانية بورغمان، يركز بالدرجة الأولى على العنف الذي يقشعر الأبدان وذلك على الرغم من عدم احتوائه على أيّة مشاهد تُظهر صور الضحايا. العنف الذي يركز عليه “المجزرة” نشعر به من خلال كلام القتلة الستة ولغة جسدهم.

وفي نهاية الأمر، تكشف لنا قصص هؤلاء القتلة، مشكلتنا كعرب في التعامل مع أخطائنا، فنحن لا نمسك المشكلة ونحللها ونعاقب مرتكبها ونعوض ضحيتها ونقضي على جميع الأسباب التي أدت إلى حدوثها، بل نتجه دائماً نحو النسيان والتعامل مع أي وضع على أساس أنه وضع مؤقت استلزم منا التصرف بطريقة بشعة ولاإنسانية.  فعلى الرغم من فظاعة المشهد في حرب لبنان الأهلية وعلى الرغم من أن هذه الحرب دمرّت البلد بأكملها إلّا أن المسؤولين عنها لازالوا موجودين على الساحة السياسية، يترشحون ويلقون الخطب ويحكمون مصير البلد السياسي والاجتماعي والطائفي.  لازال مجرمي الحرب الأهلية يعيشون بين الشعب اللبناني بسبب العفو العام الذي صدر بعد انتهاء الحرب الأهلية، والذي سمح لهؤلاء المجرمين بالعيش بحرية بين البشر على الرغم من ارتكابهم لأفظع الجرائم وعلى الرغم من عدم احساسهم  بذنب اتجاه ضحاياهم في صبرا وشاتيلا.

ولهذا ستبقى مجزرة صبرا وشاتيلا شاهدةً على عجزنا كعرب عن التعامل مع مشكلتنا في الحد من قذارة أفعالنا كبشر. كما أن في سكوتنا وتناسينا ومحاولتنا للصفح عن صفحة من التاريخ كتبها أناس يتفاخرون بتسطيرها بأقلام من دم، إشارة إلى تورطنا بكل الدماء التي سالت يوماً في الوطن العربي والتي لاتزال تسيل إلى يومنا هذا.

بهارات فاطمة سلاح في مواجهة مخططات الاحتلال الاسرائيلي

Faitmah-Kadumy-founder-of-Beit-al-Karama

فاطمة القدومي، مؤسسة مطبخ بيت الكرامة. تصوير: ميجان حنّا

رحمة المغربي

[quote]

“لا أريد أن أرى المزيد من الدماء، لا أريد أن أخسر المزيد من الجيران، لا أريد انتفاضة أخرى،  ما أقوم به هنا، هو محاولة لإظهار الفلسطينيين بأنهم يمكن أن يدافعوا عن بلادهم من خلال طرق أجمل من الحرب” ~   فاطمة القدومي

[/quote]

في 2008، خطرت على بال فاطمة القدومي فكرة لتحارب الاحتلال الاسرائيلي ولكن بطريقة جديدة،  حيث قامت فاطمة بتأسيس مدرسة طبخ في قلب البلدة القديمة في نابلس تدعى “بيت الكرامة” -وهي ترتكز على مبدأ واحد فقط، محاربة الاحتلال الاسرائيلي من خلال التوابل والسكر، تماماً مثل المولوتوف والحجارة. 

[quote]

“إذا اردنا التكلم عن العالم، وكيف ينظر العالم للدول العربيّة والإسلاميّة، فنحن بحاجة لزوار دوليين( دول غير عربية وإسلامية)، ليستطيعوا أن يشاهدوا عاداتنا وثقافتنا  الثرية في الطعام على أرض الواقع” ~   فاطمة القدومي

[/quote]

تهدف فاطمة من خلال مطبخها جلب السياحة للبلدة القديمة، والتي بدورها ستجذب السياح من كل بقاع العالم. وبذلك تستطيع رواية قصة مدرسة الطبخ، وكيف تلعب المأكولات الفلسطينية دوراً مهماً في قضية الإحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينيّة. فالنزاع الفلسطيني الاسرائيلي لا يقتصر على الأرض، وإنما أيضا على الثقافة الشعبية والتاريخ التي من بينها بعض الأطباق والمأكولات مثل الحمص والفلافل.

كما تهدف فاطمة أيضاً الى مساعدة النساء الفلسطينيات على الاستقلال الاقتصادي، وتشجيع نمط الحياة الصحي.  حيث كان بيت الكرامة هو أول منشاة طعام فلسطينية ينضم لحركة “سلو فود” (الطعام البطيء) الدولية، التي تسعى لتعزيز فن الطبخ التقليدي في مواجهة موجة الوجبات السريعة.  هي حركة عالمية، تهدف إلى مكافحة انتشار الوجبات السريعة من خلال تعزيز فن الطبخ التقليدي في المجتمع.  حيث تعمل المنظمة من خلال تغيير نمط الحياة، الذي يؤثر في قطاع الزراعة والإنتاج وتوزيع المواد الغذائية، وبالتالي التأثير على العديد من مجالات العيش، سواء بيئية أو ثقافية أو سياسية.

 Women-prepare-ingredients-in-Beit-al-Karama-kitchen

نساء مطبخ بيت الكرامة، تصوير ميجان حنّا

[quote]

“نريد أن نُعرّف الفلسطينيين أنهم بمقدورهم محاربة الاحتلال بطريقة أخرى.إحداها التوقف عن شراء المنتجات الإسرائيلية ببساطة” ~   فاطمة القدومي

[/quote]

فاطمة تقول أنها استطاعت بمطبخ الكرامة، التحالف مع حركة المقاطعة  (BDS).  ففي الوقت الذي كانت فيه حركة (BDS) تعمل على استقطاب الفعاليات على المستوى الدولي، ركز بيت الكرامة على تشجيع الفلسطينيين وتوعيتهم على أهمية تعزيز حركة (BDS) على المستوى المحلي أيضا.

وفقاً لآية يعيش، متطوعة في بيت الكرامة لمدة 4 سنوات، نحن في بيت الكرامة نقوم بالربط بين المنتجين الزراعيين في المناطق الريفية المحيطة بنابلس، مع التُجارفي الأسواق من أجل تشجيع الفلسطينيين على تناول الطعام الصحي، واتباع مواسم إنتاج الخضراوات والفواكة من جهة. والتثقيف الغذائي وإنتاج اغذائي والعوامل السياسية التي تقوم عليها من جهة أخرى.

Fatimah-demonstrates-how-Zaatar-is-prepared

فاطمة تحضر الزعتر، تصوير: ميجان حنّا

[quote]”الوصفات التي نستخدمها في مطبخنا استسقيناها من أجداد أجدا أجداد أجدانا، نحن نبقي عليها كما هي،ونحافظ على المكونات الأساسية كما كانت منذ مئات السنين في جميع أنحاء فلسطين التاريخية “، موضحة  “لدينا نفس مذاق الطعام ، كما لا نقوم بإضافات لمسات جديدة من مناطق أخرى من المطبخ العربي أو الغربي. نحن نستمر في نفس طريقة الطبخ النقية كما كانت دائما “.[/quote]

فاطمة لم تختلق أي وصفة، أو جاءت بشيء من الخارج. كل ما قمت به هو استخدام الموارد والمهارات التي تتقنها في سبيل الدفاع عن قضيتها بطريقة سلمية، تهدف لحفظ دماء عائلتها وجيرانها. لا ندري ولكن الأمل أن تستطيع رائحة توابل المقلوبة الفلسطينية إحداث تأثير لصالح الفلسطينين أكثر من الدم والحجارة. 

1988 -2015 الجزء الثاني: المرأة الفلسطينية والانتفاضات

بقلم شذى الشيخ 

522653_467507896652983_875413431_n

فتاة فلسطينية تساعد شابّاً فلسطينياً في تعديل لثامه أثناء المواجهات الأخيرة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي. المصدر: Google Images

عرف التاريخ الفلسطيني انتفاضتين شعبيتين كبيرتين،  حاول خلالهما الفلسطينيون مواجهة العدو الصهيوني والتخلّص من احتلاله لأراضيهم وبلادهم، التي تشمل خريطتها يافا وحيفا وعكا والجليل وصحراء النقب. لا الخريطة التي تشبه حبّة اللوبية الصغيرة والتي يُروَّج لها في المحافل الدولية.

تاريخ الانتفاضات شهد العديد من التقلبات التي عرفتها مشاركة المرأة، والتي بدأت بدخولها العمل العسكري من خلال انضمامها للمنظمات الفدائية في الدول المجاورة لفلسطين. في الانتفاضة الأولى تميز دور المرأة بقيامها بعدة أدوار عسكرية واجتماعية، الا أنه في الانتفاضة الثانية فُرِضت قيودٍ على مشاركة المرأة في العمليات التي يواجه فيها العدو مباشرة وتم إلزامها فيما بعدوخصوصاً في السنوات الأخيرة منها بالقيام بالأدوار الاجتماعية فقط.

أمّا اليوم، فتشهد فلسطين هبّة شعبية كبيرة تعتمد بالدرجة الأولى على العمليات الفردية المفاجئة وبالدرجة الثانية على المواجهات المباشرة مع قوات الاحتلال. والفرق بين هذه الهبّة التي يرى البعض –وأنا منهم- بأنها تمثل انطلاقة الانتفاضة الثالثة وبين الانتفاضتين الأولى والثانية، هو التطور الهائل للتكنولوجيا.

ففي زمننا هذا، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار ما حدث فيما يسمّى بالربيع العربي، المنبر الأول لكل ما يحدث في فلسطين. ولذلك، فإن حققت هذه الهبّة شروط الانتفاضة، فنحن على وشك أن نشهد انتفاضةً واقعيةً تدعمها انتفاضةٌ إلكترونيةٌ.

12141699_487787724716353_8057240429065383278_n

فتاة فلسطينية في الضفة الغربية تُجهِّز المولتوف “الزجاجات الحارقة” استعداداً لمواجهة جنود الاحتلال الاسرائيلي. تصوير: علي عبيدات

وفي الأسابيع الماضية والحالية، رأينا صور الفتيات تتصدر صور المواجهات التي يقوم بها الشعب الفلسطيني ضد العدو الصهيوني، والتي ينشرها الناشطين على صفحاتهم على الفيسبوك وتويتر. ورأينا أيضاً التعليقات المخزية من قبل عدد لا بأس به من الشباب العربي الذي استفزه لباس هذه الفتيات وشعرهن في الوقت الذي خرجت فيه هذه الفتيات لأن العدو استفزّ وطنيتهن وعقيدتهن بتدنيسه للأقصى، فأثبتن بمشاركتهن هذه أن ناقص العقل والدين في المعادلة الحالية هو الرجل الجالس أمام جهازه يعلّق عليهن ويخبرهن بما يجب عليهّن فعله، لا هنّ.

وفيما يلي تتبّعٌ لمشاركة المرأة في الانتفاضتين السابقتين والتي حصلتا عام 1987 وعام 2000 وأهم الأدوار التي تولّتها المرأة خلالهما والتحديات التي فُرضت عليها سواءً من قبل الاحتلال أو من قبل الأعراف التي تبنّاها الشعب الفلسطيني مؤخراً.

1993-1987 (الانتفاضة الأولى)

img_6227

إمرأة تواجه جندي صهيوني خلال المواجهات التي اندلعت في الانتفاضة الأولى. المصدر: Google Images

بعد مرور 39 عام على احتلال فلسطين واحتقان الأوضاع وتدهورها في البلاد، انتفض الشعب الفلسطين على الظلم والاحتلال والقهر والقتل والاعتقال الإداري والبطالة والأوضاع المعيشية الصعبة. وأدّى دهس صهيوني لعمّالٍ فلسطينيين على حاجز إيرز الذي يفصل غزّة عن بقية المدن الفلسطينية، وقتله لأربعةٍ منه إلى قيام الانتفاضة الأولى والتي عُرفت فيما بعد بانتفاضة الحجر.

لعبت، كغيرها من المرّات، المرأة الفلسطينية دوراً مهماً وأساسياً في دعم الانتفاضة وصمودها، فبفضل مشاركة الفلسطينيات في الاتحادات الطلابية وخلقهم لأطر نسائية وقتها، تم تهييء جميع الظروف المناسبة لنشر التعليم الشعبي بين أبناء عموم الشعب الفلسطيني وبالأخص في القرى وفي المخميات، وذلك بهدف مواجهة سياسية التجهيل التي اعتمدها العدو كوسيلة لإضعاف مقاومة الشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن ما قامت به النساء في سبيل إنجاح التعليم الشعبي ساهم بشكلٍ كبير في إيجاد بنيةٍ تحتيةٍ قوية للأنتفاضة الفلسطينية الأولى.

 لم تدق المرأة الفلسطينية أبواب الحرّية والاستقلال عبر العمل الاجتماعي فقط إبان الانتفاضة الأولى، بل قامت أيضاً بدور المهرّبة التي تزوّد المخيمات المحاصرة اقتصادياً من قبل العدو، بالخبز والحليب، الأمر الذي ساهم بشكل مباشر في صمود الشعب الفلسطيني خلال هذه الفترة العصيبة من حياته. وبعدما فشلت قوات الاحتلال في حصارها وفي تجويع الشعب، قامت بقطع الكهرباء والغاز عن هذه القرى والمخيمات، إلّا النسوة في داخل هذه المناطق قمن ببناء أفرانٍ طبيعية “الطابون”، ليتمكن من خبز الخبز وإطعام أبناء شعبهن.

338

نساء يجمعن الحجارة لمقاومة العدو الصهيوني. المصدر: العربي

وفي مشاهدٍ تشبه المشهد التي تناقلته وسائل الإعلام والتي ظهر فيه نسوة يخلّصن ولداً صغيراً من أيدي جنديٍ صهيوني، قامت النساء خلال الانتفاضة الأولى بدور المخلّصات للشبّان الفلسطينيين من أيدي جنود الاحتلال، كما أن العديد منهم قمن بتهريب العديد من المعتلقين وإيوائهم في منازلهن كأبناءٍ أو أوشقاءٍ لهن.

وكان توفير الأعلام الفلسطينية بين جموع الشعب الفلسطيني، وتهريب الأكل والشرب للمحاربين في الجبال والدخول في المواجهات اليومية مع العدو سواءً في المظاهرات أو في عمليات رشق الحجارة ورمي المولتوف، أمراً إعتياديّاً وروتينيّاً بالنسبة للمرأة الفلسطينية. فلم تمنع الغازات السّامة وعمليات الاعتقال والرصاص الحي حتى النساء الحوامل من الدفاع عن فلسطين وتلقين الأعداء درساً في الشجاعة وحب الوطن.

مشاركة المرأة في الانتفاضة كانت قويّة جداً لدرجة أن الأدارة الإسرائيلية صرّحت وقتها بأن “الحرب هي الحرب، وأن للنساء دوراً فعّالاً في الانتفاضة لذلك يجب اعتقالهن وتعذيبهن إذا لزم الأمر لانتزاع الاعتراف منهن”، ولذلك قامت السلطات الصهيونية بقتل أكثر من 400 إمرأة وباعتقال أكثر من 300 أسيرة خلال الانتفاضة الأولى فقط.  

2000-2005 (الانتفاضة الثانية)

41_16_16_27_9_20131

إمرأة فلسطينية ترفع علم فلسطين أمام جنود الاحتلال خلال الانتفاضة الثانية. المصدر: Google Images

ولأن المرأة الفلسطينية تؤمن بأن كل ما تفعله هو مقاومة وشوكة في حلق بني صهيون، عملت على كل الجبهات في سبيل تأمين كل ما تحتاجه الانتفاضة الثانية لتنجح وتصمد أمام كل محاولات الاحتلال بقمعها وإخمادها.

مجدداً، لم يكن اقتحام شارون ومرافقيه لباحات المسجد الأقصى السبب الوحيد لهبّة الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال، فالتضييقات التي فرضها الصهاينة على الفلسطينيين، وعمليات القتل والاعتقال والتصفية والتجهيل وكل الممارسات الظالمة والقمعية التي يمكن للمرىء توقعها من جيش احتلال، أدت إلى قيام انتفاضةٍ ثانية في الأراضي الفلسطينية المحتّلة.

توسيع دائرة التعليم الشعبي في المخيمات وغيرها، وإنشاء عيادات مدنية لعلاج المصابين من جراء همجية العدو، والذهاب إلى الجامعات والمدارس من طُرقٍ بديلة، وحراثة الأرض وتأمين لقمة العيش للعائلة، والقيام بعمليات فدائية في القدس والضفة وأراضي ال48، كانوا العنوان الرئيسي للدور الذي لعبته المرأة في انتفاضة الأقصى.

2nd-Intifada

فتيات يتظاهرن في فلسطين ضد العدو الصهيوني خلال الانتفاضة الثانية. المصدر: Google Images

ويذكر أن الانتفاضة الثانية شهدت قيام حماس بالقبول لأول مرّة بانخارط فتاة وهي ريم الرياشي في العمل الفدائي ومنحها الضوء الأخضر للقيام بعملية استشهادية في معبر إيرز في غزّة عام 2004، والتي أدّت إلى مقتل 4 جنود إسرائيليين، وذلك بعد ان رفضت حماس عدّة مرات انخراط الفلسطينيات في العمليات الاستشهادية، الأمر الذي كان يدفعهن إلى التوجه نحو الفصائل الأُخرى كما حصل مع دارين أبو عيشة التي بعد أن أوصدت حماس الباب في وجهها، توجهت نحو كتائب شهداء الأقصى (الجناح العسكري لفتح) للدفاع عن أرضها. وكانت العملية التي قامت بها ريم الرياشي بمثابة مفاجأة للشعب الفلسطيني الذي لم يتوقع للحظة أن تقبل حماس بانخراط الفتيات الفلسطينيات في هكذا نشاطات، وللعدو الصهيوني الذي لم يكن يتوقع أن تقوم القسّام بتعيين فتاة لقيادة عمليةٍ فدائيةٍ ضدهم.

وعلى الرغم من كل هذه الأعمال التي قامت بها المرأة في الانتفاضة الثانية، إلّا أن مشاركة المرأة فيها كانت أقلّ ومقيدة أكثر من مشاركتها في الانتفاضة الأولى، فقد بدأت بعض الحركات الإسلامية بالظهور بقوّة على السّاحة، كما أن تبني الشعب للمظهر الإسلامي وضع قيوداً على مشاركة المرأة في الانتفاضة وجعل من مظهرها أساس الحكم على مدى أحقيتها في الدفاع عن أرضها.

هذه الحركات الإسلامية بدأت ترفض مشاركة النساء في المواجهات بحجة أن المرأة غير مؤهلة للتواجد في العمليات العسكرية ضد العدو (متناسيين فترة الفدائيين والفدائيات)، وبعد أن أثبتت ريم ودارين من قبلها عكس ذلك لقيادة حماس، بدأت حماس وغيرها من الحركات الإسلامية بقبول الفتيات ولكن على شرط التزامهن باللباس والمظهر الذي يتوافق مع اسم الحركة.

شهدت الانتفاضة الفلسطينية الثانية اعتقال 900 إمرأة فلسطينية واستشهاد 460 آخريات.

اليوم وانطلاقة الانتفاضة الثالثة

12132568_1202335056475579_343942658659173718_o

فتاة فلسطينية تصوّب “مُقليعتها” التي تحمل حجراً نحو جنود الاحتلال في الضفة الغربية. المصدر: شبكة فلسطين الاخبارية 

منذ أن بدأت احتفالات الصهاينة بالسنة اليهودية الجديدة، بدأت اسرائيل بالتصعيد في القدس، وقامت باقتحام المسجد الأقصى والحرم الابراهيمي أكثر من مرّة، كم أنها اعتقلت العديد من المرابطين والمرابطات ومنعت من هم دون الأربعون السنة من الدخول والصلاة في المسجد.

نساء هذه الهبّة الشعبية اليوم يقرعن أجراس العودة بحجارتهن ومولتوفهن، يواجهن الموت بكوفيتهن الفلسطينية وكحلهن الأسود. وجهاً لوجه مع قوات العدو، يقفن بشموخهن الذي لا شكَ أنهن ورثنه من جدّاتهن وأمهاتهن التي تحكي أعينهن قصة فلسطين وتشير خطوط يديهن إلى القدس وحيفا ويافا.

خروج الفتيات الصغار اليوم يعني أن الجيل الجديد لم يتربى على أوسلو، خروج النساء الفلسطينيات اليوم يعني أنهن لازلن ملتزمات بدرب النضال النسائي الفلسطيني، خروج بناتنا اليوم يعني أن حريتهن تبدأ عندما تبدأ مرحلة تحرير فلسطين، خروجهن اليوم يعني أن فلسطين لن تعود حرّة إلّا إذا انتفض شعبها كاملاً بجميع أطيافه، فكلّهم يقعون تحت أنياب الاحتلال وحصاره وهمجيته، وكلّهم على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم وآراءهم السياسية والاجتماعية لهم الحق في مواجهة العدو.

12143326_1916903538535223_2359917417908010007_n

فتيات يقمن بتجميع الحجارة وتكسيرها في الضفة الغربية، لمحاربة قوات العدو الصهيونية. المصدر: شبكة فلسطين الاخبارية 

وبخصوص الانتقادات التي طالت مشاركة الفتيات في الالمواجهات الأخيرة مع جيش الاحتلال تقول إحدى الفتيات الفلسطينيات في مقابلة أُجريت معها على التلفاز:

“إحنا طلعنا اليوم عشان إحنا بفلسطين متعودين دايماً تكون إيد الشب بإيد الصبية لمّا يجي الموضوع لمقاومة المحتلّ والدفاع عن أرضنا”

فبعد محاولة فرض قيود على المرأة الفلسطينية وحصر دورها بالاعمال الاجتماعية، تخرج فتيات اليوم في فلسطين إلى الشوارع لتحرير نفسهن من هذه القيود، فتحرير فلسطين عملية تشمل التحرر من الظلم الواقع على جميع فئات الشعب بما فيهن النساء، وبالتالي فعودة المرأة إلى الظهور في الصفوف الأولى في المواجهات وإثباتها لمن يروج لفكرة بأن المرأة غير مؤهلة للمشاركة في محاربة العدو بأنه على خطأ، تعني بالدرجة الأولى التمرّد على العرف البالي الذي تبنّاه الشعب الفلسطيني في العقد الأخير. فالصهيانة لم يحتّلوا هذه الأرض بالسلاح فقط، والصهيانة حتى يومنا هذا يجبرون أبنائهم شباباً وبناتاً على القيام بالخدمة العسكرية، فإن كان الشعب العربي يعتقد بأن إقصاء المرأة من عملية التحرير هو شرفٌ للرجال وهو أفضل شيء ممكن أن يقوموا به على الإطلاق فعليهم إعادة حساباتهم جيداً.  

10858435_1205986666110418_8681021162695469160_n

فتيات فلسطينيات يصنعن من الحاجر حاجزاً لمنع القوات الاحتلال الاسرائيلية من التقدّم. المصدر: شبكة فلسطين الاخبارية 

كما أن نساء فلسطين اليوم كاللواتي سبقنهن في العقود الماضية، لم ولن يطلبن رأيكم وموافقتكم على مشاركتهن في حماية بلدّهن، سينتفضن بالجينز والجلباب، سينتفضن بالكوفية والحجاب، سينتفضن بالحجر والمولتوف، سيقفن على خطوط التماس ضد العدو،  وسيكن جزءً من تاريخ هذه الأرض كما كنّ من قبل.