لماذا تحولت هديل من مناصرة للعدالة الى مناصرة للنسوية

بقلم شذى الشيخ

هناك أمل

hadeel

التقيت بالسيدة هديل عبابنة يوم الثلاثاء الماضي بهدف التحدث معها عن المركز الذي كانت قد أسسته برفقة اثنتين من زميلاتها القانونيات. فتطرقنا بالحديث إلى التحديات التي تواجهها كإمرأة قامت بإستحداث نظامٍ لم يكن موجوداً في الأردن من قبل. 

ولا أخفيكم سرّاً بأنه وفي أثناء حديثي مع السيدة عبابنة، كانت فيروز تدندن في رأسي مُغني”آيه في أمل”. فحجم الإرادة التي تمتلكها السيدة عبابنة والمجهودات التي بذلتها، والتي لازالت تبذلها في سبيل تطوير منظومة العدالة في الأردن، أكبر من أي شيء كان قد جعلني في مرّةٍ من المرات أفقد الأمل في تطور هذا المجتمع.

[quote]

“أنا من طول عمري بكره الظلم، وبتوجع منّه”

[/quote]

بهذه الجملة بدأت السيدة هديل حديثها عن كيف بدأت رحلتها مع القانون. هديل إختارت دراسة القانون “عن سبق إصرارٍ وترصد”. وهي اليوم مجازة في إدارة الشق الإداري من العمل القضائي والذي يهتم بتطوير المحاكم وحسوبتها ومتابعة إجراءتها وآلية عملها. بالإضافة إلى تدريب موظفيها.

يجب المساواة بين الغني والفقير أمام القانون

1

[quote]

“عندما عملت في هذا المجال أكثر، اكتشفت أن التنظير وحده لم ولن يكفي، وأن التطوير في منظومة العدل بحاجة إلى أن نُشمّر عن أيدينا وأن نعمل”

[/quote]

بعد أن اكتشفت السيدة هديل بأن التطوير بحاجة إلى العمل الجاد والدخول في تفاصيل كيفية تقديم الخدمة للناس والعمل على تحقيق المساواة بين الغني والفقير أمام القانون. قررت إستحداث نظام المساعدة القانونية المجانية الموجود في الكثير من الدول المتقدمة. فبحسب الدراسات التي أجراها مركز العدل، سبعة من أصل عشرة أشخاص يذهبون إلى المحكمة من دون محامي؛ وهي نسبة عالية جداً ومخيفة. فأغلب الناس لا تمتلك المعرفة الكافية بالقانون التي تمكنها من تمثيل نفسها بنفسها أمام القضاء وبدون توكيل محامي. مما يعني أنه وبسبب الجهل بالقوانين وأيضاً عدم القدرة على دفع أتعاب المحامي، يُظلم الناس وتضيع حقوقهم الشرعية.

ولهذا السبب بالذات، قامت فكرة تأسيس مركزالعدل الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى تقديم خدمة المساعدة القانونية للأشخاص غير القادرين على توكيل محامي لتمثيلهم أمام القضاء، وبالتالي محاولة سدّ هذه الفجوة بين الفقير والغني، إلى أن تتبنى الحكومة هذا النظام وتتولّاه تماماً.

مركز العدل بدأ في 2008 بثلاث متطوعات ومحامي يعمل معهن بدوام جزئي. اليوم يمتلك مركز العدل ما يقارب 130 موظف و24 عيادة قانونية موزعة في جميع أنحاء المملكة. ويقدم المركز شهرياً ما بين 150 و 200 محاضرة، و400 إستشارة قانونية وذلك بالإضافة إلى توليه ما يقارب 250 قضية.

3

من أهم التحديات التي يواجهها المركزهي مشكلة التمويل. نسبة التمويل المحلي تكاد لا تذكر، لذ يعتمد المركز على المؤسسات الداعمة مثل الحكومة اليابانية والبنك الدولي. وفي بعض الأحيان،  تتعاون بعض مؤسسات المجتمع المدني مع المركز، فتستضيفه  في المحافظات لإنشاء عيادات قانونية في المناطق الأقل حظاً. مثال على ذلك مشروع بنت بلد المدعوم من الإتحاد الأوروبي. والذي خدم فيه مركز العدل منطقتين في الجنوب هما بصيرة والشوبك، مؤديا إلى إحداث تغييرا حقيقيا للنساء في المنطقتين.

هديل والنسوية

2 (1)

هناك إستغراب لفكرة المساعدة القانونية المجانية، وهناك رفض من بعض المحامين للفكرة، وذلك لأنهم يرون أن فيها منافسةً لهم، بالرغم من أن الفئة التي يخدمها مركز العدل ليست لديها القدرة المادية لإستخدام محامين. ولكن أصعب تحدي، هو إستهجان الشعب لفكرة تمكين المرأة. ففي مجتمعنا هناك نظرة مغلوطة عن المؤسسات التي تدعم المراة وتُمَكِّنُها، فينظر لهم عادةً كمؤسسات تدعم الأجندات الغربية. وعلى المستوى الشخصي للعاملين داخل المركز، فأكثر الأشياء صعوبةً في عملهم، هو خسرانهم لقضية ما والقهر الذي يحسون به عند رؤيتهم لإمرأة خسرت حقها في رؤية أولادها، أو لرجلٌ لازال في السجن على الرغم من أن مكانه ليس هناك. وفي رأيي فإن هذا القهر الذي يُحس به العاملن في مركز العدل ما هو إلّا دليلٌ على أن هناك من يؤمن بالعدالة والحق في صفوف هذا الشعب.

بالتأكيد أن التحديات التي تواجهها السيدة عبابنة لا تقتصر على العمل، ففي نهاية المطاف هي أيضا زوجة وأم.  فترى السيدة هديل أن أكبر مشكلة على المستوى الشخصي، هي الموازنة بين البيت والعمل. فهي تعمل أحياناً ما يقارب العشر إلى إثنا عشر ساعة. بالإضافة إلى السفر الكثير الذي يتطلبه منها عملها.  فترى بأن هكذا ظروف تكون مقبولة عندما يكون الرجل في موقع قيادة، وذلك لأنه وعند عودته لمنزله يجد كل الظروف مهيئة لدعمه. أمّا المرأة فهي بحاجة إلى القيام بدوريها داخل وخارج المنزل. وغالباً ما تأتي على نفسها وتحاول الموازنة ما بين الإثنين على حساب صحتها ونومها، بالإضافة إلى شعورها الدائم بالذنب لتقصيرها هنا وهناك.

وبالنسبة لرأيها بوجهة النظر التي تقول بأن النساء لئيمات مع بعضهن، فتقول السيدة عبابنة

[quote]

“باعتقادي إنو إحنا كنساء متضطرين نلعب بقواعد اللعبة. في المنطقة العربية لازلنا كنساء بنسمح إنو ننحط بالزاوية التقليدية  إللي بتقول إنو إلنا مكان محدد ومساحة معينة. ولازم بيننا وبين بعض نتنافس على الفرص الموجودة فيها. فلهذا السبب إذا حدث ودعمت إمرأة، إمرأة أخرى، فالإحتمال الأكبر انو الإمرأة الأُخرى تفوز بهاي الفرصة على حساب المرأة التي دعمتها. ولكن انا بعتقد إنو كنساء يجب علينا دعم بعض لتوسيع المساحة المتاحة لإلنا.”

[/quote]أمّا بالنسبة لتحول دافعها من دافع عن العدالة بشكل عام إلى الدفاع عن حقوق المرأة، فتقول السيدة هديل

[quote]

“عندما بدأت في 2008 كنت بتعبر نفسي مدافعة عن العدالة، ولم يكن الدفاع عن حقوق المراة من ضمن أولوياتي، ولكن بعد تجربتي العملية والأشياء التي رأيتها في عملي ، أصبحت نسوية ومدافعة عن المرأة وحقوقها. وذلك لأن المرأة في مجتمعاتنا هي الأكثر ضعفاً، وهي الأكثر حاجةً للتمكين. واذا لم نُمكِّن المرأة، لن نقدر على تمكين الأسرة ولا على تمكين المجتمع، وبالتالي لن يكون هناك تغيير إيجابي في مجتمعاتنا. وأتسأل دائماً لماذا هناك العديد من الناس التي تؤيد الثورات وحرية الإنسان وبس يجي الموضوع على المرأة بيغيروا رأيهم. لماذا هذه الإزوداجية؟ بالنهاية إحنا بنحكي عن كرامة إنسان وحقه بالإختيار وبالعيش بكرامة. ”

[/quote]