تعرف على "أمي التانية" في غور المزرعة

فاديا سليم

الاردن، ١ شباط، ٢٠١٥

 كحال العديد من مناطق المملكة التي تعاني من نقص وسوء في الخدمات٬ تعاني الأغوار الجنوبية من ارتفاع في معدلات البطالة وتدني في مستوى المعيشة٬ خصوصا من بعد التحديات التي تواجهها في قطاع الزراعة٬ وذلك بسبب ارتفاع تكاليف الانتاج وشح المياه٬ هذه الأسباب دعت وزارة التخطيط والتعاون الدولي لتصنيف بعض مناطق الأغوار الجنوبية كغور المزرعة من ضمن المناطق التي تم تحديدها كمناطق جيوب فقر في الأردن.

ghor2
غور المزرعة ويقع ١٠٠ كم جنوب عمان

تتقن النساء في منطقة غور المزرعة الحرف اليدوية والصناعات التقليدية التي توارثوها وتعلموها من أجدادهم٬ وهي لا تمثل لهم قيمة تراثية فقط بل ايضا تعد هذه الحرف من وسائل وأساليب الانتاج والاستدامة في القرى٬ حيث  يعتمدون على صناعة المواد الضرورية من الموارد المتاحة بأقل التكاليف.

shmagh light
“ام عطاالله” تهدب الشماغ

وكالعديد من النساء٬ تحاول سيدات الغور المساهمة بطرق عديدة في تأمين تكاليف المعيشة لعائلاتهن والبحث عن فرص لزيادة الدخل٬ خصوصا في ظل الظروف المادية الصعبة التي يمر بها معظمهم٬ حيث تفتقد قرى الأردن للكثير من الخدمات التعليمية والصحية٬ بالاضافة  لافتقادها أنظمة مواصلات عامة جيدة وفعالة٬ ما يصعب على سكانها أي محاولة لتحسين ظروف حياتهم وتحقيق طموحاتهم.

farme
مزارعة في الغور تقطف البندورة

farm
مزارعات في الغور يعملن في الأرض ويقطفن المحاصيل

احدى هذه المحاولات والتي أثمرت واحدة من أنجح المبادرات في المملكة٬ هي تجربة سيدات غور المزرعة٬ والتي طبقت عبر فكرة السياحة التبادلية التي اطلقها ربيع زريقات مؤسس مبادرة ذكرى.

تقوم فكرة السياحة التبادلية على استضافة أهالي غور المزرعة لسكان العاصمة عمان لقضاء يوم معهم في الغور٬ حيث تقوم النسوة بتعليم أهل العاصمة بعض الحرف والصناعات التقليدية٬ وذلك بهدف تبادل الخبرات والتجارب بين أهل القرية والمدينة٬ فيتعلم خلالها أهل المدينة حرف وطرق انتاجية جديدة٬ كما أن العائد المادي من الرحلة ( اسعار التذاكر للمشاركة في الرحلة) تقسم مابين تكاليف الرحلة ووجبة غداء بالاضافة الى توفير دخل ل ١٣ سيدة مقابل خدماتهن في تعليم الحرف واستضافة السياح من عمان.

shrak
“ام عمر” تعلم خبز الشراك

ko7ol light
“ام خلدون” تعلم صناعة الكحل العربي من زيت الزيتون

sew
“ام احمد” – على يسار الصورة- تعلم حياكة الصوف

سيدات غور المزرعة لسن زوجات وأمهات فقط٬ بل هن صاحبات قلوب دافئة يرحبن دائما بالضيف ويعطوه من خبراتهن وقصصهن٬ وهن يطمحن دائما كغيرهن من الأمهات بحياة افضل لعائلاتهن ولأبناء الوطن أجمع.

 

مريم الهباهبة: من حرفة متوارثة الى طموح مشروع تهديب الأشمغة بأيدي أردنية

من هي مريم؟

لم يخفت العمر وظروف الحياة الصعبة البريق اللافت في عيني مريم. مريم صاحبة الحرف المتعددة، تسكن في منزل ريفي في منطقة الشوبك الخلابة مع زوجها أبو هيثم وابنها الأصغر، الذي يعاني من مشاكل صحية.

تبدأ مريم نهارها مع أذان الفجر، حيث تسرح بأغنامها وتتأمل جمال الخليقة في الصباح الباكر. تترك قطيع الأغنام في الكرم، ثم تعود لبيتها، لتعد الافطار لعائلتها.  بعد ذلك تبدأ بتهديب الشماغ وهي تحتسي فنجان قهوتها الصباحي مع رفيقتها وجارتها أم زياد، حيث تتجاذبا أطراف الحديث، تناقشا قصص ابناؤهما، تخططان لحياتهما وتحلمان . بعد انتهائها من تهديب الشماغ،  تبدأ باعداد المأكولات الشعبية  لزبائنها.  ثم تعود بعد ذلك لتكمل الأعمال المنزلية التي تنتظرها من تنظيف و طبخ وغيرها.

1_12

1_11

 مريم والعائلة

لا يقتصر دور مريم على الأعمال المنزلية وتربية الأولاد فحسب. بل تساهم أيضا في تأمين مصاريف المنزل وتكاليف الحياة جنباً إلى جنب مع زوجها، الذي تقاعد من عمله في مستشفى البشير في عمان، وذلك من خلال عملها في الحرف التي تتقنها.  فهي تهدب ما يكفي من الأشمغة وتعد ما يكفي من المأكولات الشعبية لتساهم في مصروف المنزل، وفي دفع أقساط التعليم الجامعي لأولادها الثمانية، بالاضافة الى التكفل بتكاليف علاج ابنها الأصغر، الذي أصيب بمرض في صغره، مسببا له صعوبات حركية.  مريم ليست الوحيدة.  فنسبة النساء اللواتي يساهمن في اعالة أسرهن في الشوبك قد بلغت ١٧،٢٪، ٤٩،٨٪ منهن عاطلات عن العمل بحسب دائرة الاحصاءات في عام ٢٠١٠. فالمهام التي يقمن بها لا تعتبر “عملا” حيث لا يحصلن على أي مزايا من تأمين صحي وتقاعد اجتماعي و غيره٬ ويكتفين فقط بدخل بسيط بالكاد يكفيهن وأسرهن.  

وكما تشارك مريم زوجها أعباء الحياة المادية، يشاركها العمل بدوره. فيقوم بتوصيل طلبيات الشماغ للتجار في مدينة معان، ويحضر لها الأدوات التي تحتاجها٬ ويساعدها كلما احتاجت دعمه في أي جانب من جوانب عملها.

2_1

مريم و الحرف المتوارثة

استطاعت مريم بيديها التي تخطها تجاعيد أن تروي قصة زمن مليء بالعمل الكاد. تعلمت كيفية تهديب الشماغ من أمها منذ نعومة أظافرها، ثم علمت الحرفة لبناتها الأربعة، اللواتي أنهين تعليمهن الجامعي، ومع ذلك يتقن الحرفة ويعملن بها الى جانب وظائفهن ومهامهن المنزلية والحياتية.   فالتهديب ليست حرفة متوارثة في عائلتها فحسب، بل هي شغف، وبالأهم هي وسيلة لكسب العيش.

تطبق مريم فكرة الاستدامة في عملها، فالمبلغ الناتج من بيع الأشمغة يغطي التكاليف الأولية للطحين والمواد الأخرى اللازمة لصناعة المأكولات الشعبية، التي يشتهر بها أهل الشوبك.  فرائحة المدقوقة، البسيسي، والسمنة البلدية، التي تطبخها مريم حسب طلب الزبائن، تفوح من مطبخها العتيق، داعية زبائنها للعودة.  الربح الناتج من المأكولات الشعبية، والاشمغة ومنتجات الحليب في فصل الربيع، يعمل على تغطية المصاريف العائلية، و يسمح للاعمال بالاستمرار والاستدامة.

DSC_0048

1_7

طموح مريم

غادرت مريم مقاعد الدراسة من الصف السادس كحال ٨٤٪ من مجموع النساء اللواتي تساهمن بإعالة عائلاتهن (دائرة الاحصاءات ٢٠١٠). ومع ذلك فهي تجيد القراءة والكتابة٬ وتمتلك خبرة حياتية عالية.  لكنها تقلق من المستقبل، وخاصة مع ظروف الحياة الصعبة، والتي تزداد تعقيدا مع العمر. لذا تشعر مريم بأهمية التحرك في اتجاه تطويرمشروعها الخاص . فمريم كمثل ٩٩٪ من النساء اللواتي تساهمن في اعالة اسرهن، ليس لديها تقاعد او أي خطة مالية للتقدم في السن،  كما انها لا تملك أي تأمين صحي، و بهذه المعطيات يبدو المستقبل غير واضح الملامح.

حلمها بأن تنشئ مشغلا خاصا بها، توفر من خلاله وظائف لنساء القرية، لتنتج كميات تجارية من الأشمغة المهدبة بأياد أردنية، بغية تحسين المستوى الاجتماعي والاقتصادي لعائلتها والعائلات الأخرى في قريتها.   فهي ترى ان هذا المشروع سيعمل على تأمين المعيشة الكريمة لها ولأبي هيثم عندما يتقدما بالسن، حتى لا يضطرا الى الاتكال على ابنائهما الذين يصارعون ظروف الحياة بدورهم لتأمين المعيشة لعائلاتهم.

و بهذا الهدف، شاركت مريم في مشروع بنت بلد برعاية الاتحاد الاوروبي و الذي وفر تدريبا على كيفية ادارة مشروعها بأمل ان تستطيع تحقيق طموحها.

1_10