سيدة العطور تخترع عطر شخصي لكل امرأة

بقلم شذى الشيخ، تصوير عامر سويدان

IMG_2372السيدة فتحية مزايدة (أم أنس) تقوم بتركيب العطور في منزلها في الطفيلة

على وقعٍ هادىء تدخل السيدة فتحية المزايدة (أم أنس) غرفة تركيب العطور في منزلها. ذلك المنزل البسيط الذي يقبع على تلة هادئة في قرية غرندل في محافظة الطفيلة جنوب الأردن. الهدوء يملأ المكان، الأطفال نائمون وزجاجات العطور مصطفةٌ بإنتظام على الطاولة الدائرية التي تتوسط الغرفة.

هذه هي غرفة العمليات، حيث تجلس أم أنس على الأرض محاطةٌ بالطلباتِ من جهة، ومن الزيوت العطرية والزجاجات الفارغة من جهةٍ أُخرى.  يبقى تفكيرها متركزا على طاولتها المستديرة، حيث تنتظرها الخلطات التي كانت قد طلبتها منها نسوة القرية، والتي تختلف بإختلاف أسمائهن وأذواقهن ومناسباتهن، الأمرالذي يتطلب تركيزاً شديداً أثناء القيام بعملها.  فمناسبات النجاح تختلف عن مناسبات الخطبة. ورسائل الغرام تختلف عن رسائل الغضب. وتلك التي تريد الإنجاب عطرها يختلف عن تلك الحادة على وفاة عزيز. لكل مناسبة عطر، ولكل عطر سر.

ففتحية اليوم تقدم لزبائنها ما يزيد عن 50 نوعٍ من العطور التي تراعي أذواق الجميع، الأمر الذي دفع مجتمعها المحيط إلى تشجيعها وذلك عبر اقبالهم على طلب العطور التي تصنعها هي. وبفضل الجهد الذي بذلته أم أنس على مدى السنوات الطويلة هذه، أصبحت تعرف بين الناس ب” سيدة العطور”.

IMG_2450

IMG_2376

ليست أم أنس بحاجة إلى دعاية تلفزيونية للترويج لعطورها، فقدرتها على فهم حاجات زبائنها وصيتها الناجح، واجتماعيتها الجميلة، التي تتمثل بحضورها للمحاضرات التي تُلقى في بصيرة مع مشروع بنت بلد، والأعراس التي تقام بين أبناء مجتمعها المحلي- كفيلة بمساعدتها على الترويج لمنتجاتها بين الناس.

يقتصر سوق أم أنس حالياً على النساء والأطفال في المنطقة، وذلك بسبب العادات والتقاليد المحافظة التي تجعل من الصعب على سيدة أن تسوق للعطور رجالية بين الرجال في المنطقة. وهي تتعامل مع عدة محلات إكسسورات في المنطقة، التي تقوم بدورها ببيع عطور أم أنس للناس. لكن طموحها، يدفعها للحلم بفتح متجر خاص بتركيب العطور، فحينئذ سيكون هذا المتجر مفتوحاً للجميع ويقدم العطور، ومستحضرات التجميل الأخرى، وسيكون لأم أنس عنوان يقصده كل من اعتاد على عطورها التي تفتخر بها وتعتبر خلطاتها سراً لا تفرط به.  

IMG_2421

 تعود الذاكرة بفتحية إلى عشرين سنةٍ إلى الخلف، وبالتحديد عندما بدأت بتعلم تركيب العطور على يد زوجها الذي كان يحترف هذه المهنة آنذاك. السيدة فتحية كانت وقتها أول إمرأة تُدخِل صناعة العطور إلى غرندل، التي كانت قد انتقلت إليها مع زوجها بعد أن رحلا من مدينة معان.

تَعلُّم هذه الصنعة وإتقانها لم يكن بالأمر الهيّن، فأم أنس في بداية مشوارها مع تركيب العطور ارتكبت العديد من الأخطاء. ولكنها لم تيأس واستمرت في ممارسة المهنة والتعلم من أخطائها إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من مهارة في تركيب العطور.

أما اليوم فهي تختار ساعات المساء للعمل على طلبات زبائنها؛ فساعات المساء تمتاز بالهدوء، وهواء المساء يخلو من غبار النهار وأدخنة السيارات وغيرها من الأشياء التي قد تعكر صفو أم أنس.

المساء خُلِق لأن نبدع، ويبدو أن السيدة فتحية قد أدركت هذا جيداً، الأمر الذي قد يجعلنا نعوز نجاح اسمها إلى أمرين وهما جهدها وذكائها في اختيار الوقت المناسب لبذل هذا الجهد.