لن أنتظر زوجي لكي أسافر… سأسافر وحدي

كنابة وتصوير رحمة المغربي

عندما كُنتُ أجلس وأصدقائي ونبدأ بالحديث عن أسفارهم وما عايشوه من مغامرات ، فإنني حينها كنتُ أعلم بأنني كالأطرش في الزفة مع ابتسامةٍ بلهاء وذلك  لعدم امتلاكي أدنى فكرة عمّا يتكلمون. الوضع لا يختلف عندما أُقرر الكتابة عن المرأة في المغرب العربي، فأنا  كالضرير الذي يحاول وصف مشهد الشروق .

رغبتي بالسفر جعلتني اتفحص الخرائط والشوارع بشبابيكها وأبوابها وصور تلكَ الأماكن التي أود حقاً أن أزورها يوماً ما .. فأتابع كل أخبارها و مُستجداتها رغم علمي المسبق بأنني لن أُمنح الفرصة لألقيَ نظرة عن كثب، فأنا من أفراد هذا الجيل _المنحوس _ الذي يلم بأدق تفاصيل هذا العالم  ويتابعه عن كثب من وراء الشاشات ولكن لا يستطيع لمسه وأحساسه.

 سفري الأول

عندَ عودتي إلى المنزل بعد يوم سبتٍ طويل، مرهق، ومحبط، وأثناء صعودي لدرج منزلي في الظلام، قررت فتح هاتفي المحمول و تصفح الرسائل والايميلات. وإذ برسالة عنوانها “إلى تونس”، دماغي في تلك اللحظة كأنه استقبل لترين من الكافيين دفعة واحدة.. كررت قراءة الرسائل مرة ومرتين وثلاثة متسائلةً هل ما أقرأه صحيح فعلاً.  بينما كنت أردد في عقلي أغنية كلماتها “خلاص الدنيا ضحكتلي وصدقت لما وعدتني”.  تأكدت أن هذه الرسالة موجهة إليّ ، ثم بدأت بالصراخ في وسط الظلمة وركضتُ سريعاً على الدرج لأخبر والدتي.  ظنت والدتي حينها، أن أحداً يلاحقني أثناء صعودي الدرج، أو انني تعرضت للأذى ففرحت لي، كأي أم عربية تتمنى لابنتها أي كم ممكن من السعادة.  القصة وما فيها أنني سوف أسافر الى تونس، التي لطالما تمنيت أن تكون وجهتي الأولى عند سفري.

هل مازال السفر بدون محرم.. حرام؟

babouj

 

 بالرغم من أن سفري  لم يكن مؤكداُ بعد، وملابسي لم تزل مُعلقة، إلا أنني تعرضت للكثير من الاسئلة والاستفسارات ممن حولي ..

[quote] “عادي تسافري لحالك؟ اهلك سمحولك؟ أنا بعرف حرام المرأة تسافر لحالها، انتِ رح تروحي بالطيارة، صح؟ “[/quote]

عزيزتي يا من سألتيني  .. أفكارك خاطئة.  مواقع الانترنت والتلفاز والأخبار والأشخاص الذين أرضعوك  هذه الثقافة التي تستضعفك يومياً، وتقلل من سقف طموحاتك وخبراتك في الحياة هم المسؤولون عن مرحلة الركود الفكري الذي وصلنا لها.

في البداية يا عزيزتي هل سبق لزوجك أو عائلتك أن سافرت، وبقيتِ وحيدة في بلدك؟ يا ترى بعد مغادرتهم، كيف قمت بتسوية أمورك وشراء البقالة والذهاب لعملك أو مشاويرك الروتينية ؟ هل تعطلت؟ لا أعتقد. فأنت تمتلكين لساناً وعقلاً، يدين ورجلين والأهم من هذا كله المال. هذا هو تماما حال السفر .. لا زلتِ قادرة على تحريك لسانك واستخدام يديك في التقاط الحاجيات ورجليك في المشي وركوب التكسي، الباص والقطار.. دون الحاجة لمن يرافقك.

ثانياً، تحريم سفر المرأة “بدون محرم” هو موضوع عليه نقاش طويل، واحزري شيئا، هو لم يُذكر شيء في القرآن الكريم.

شخصياً، مللت من المقدمات الرنانة على وزن ” السفر في عصرنا، لم يعد كالسفر في الأزمنة الماضية”، لتبرير “جواز السفر” للمرأة بدون محرم.  منطقيا، هل يعقل أن نتلو على المرأة مجموعة أحاديث تنطبق على زمن الجاهلية، الان في عصرنا هذا، حيث أصبحت المرأة  سفيرة لبلدها،  ووزيرة خارجية ورئيسة دولة في كثير من الاحيان؟  قبل أن أبدأ أعطيك دليلا من الحديث، لأن سفر المرأة لم يذكر إلا في السنة النبوية ، أريد التنبيه الى قاعدتين

الاولى : التفرقة بين العبادات والعادات، وأنه غلب في باب العبادات جهة التعبد، وفي باب العادات جهة الالتفات إلى المعاني([1]) فإن الأصل فيها هو التعبد والامتثال، دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد . كما قرر ذلك الإمام الشاطبي ووضحه واستدل له. ([1]): الموافقات (2/396).

الثانية : إن ما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، أما ما حرم لسد الذريعة فيباح للحاجة . ومن هنا نرى ان السفر عادة وليست عبادة، وأن سفر المرأة بغير محرم، حُرّم في الماضي سدًا للذريعة. 

أما دليلي فهو حديث عدي بن حاتم عند الإمام أحمد الذي قاله الرسول في سياق المدح ورفعة الإسلام في المستقبل، ما رواه الشيخان من حديث عدي بن حاتم، فقد حدثه النبي – صلى الله عليه وسلم – عن مستقبل الإسلام وانتشاره، وارتفاع منارة في الأرض. فكان مما قال

[quote] ” يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة (بالعراق) تؤم البيت لا زوج معها، لا تخاف إلا الله … إلخ “[/quote]

حيث استدل الرسول بسفر المراة دون محرم على رفعة شأن الإسلام.  وكملسمة لا أتصور أن الرسول عليه الصلاة والسلام سوف يستدل بمنكر وشيء فاحش كي يثبت علو الدين ورفعته .

إلى هُنا دينياُ اكتفينا بالأدلة، وبقي عليك عزيزتي، استعمال عقلك في التحكيم قبل التفوه بفتاوي ليس لها أي أساس علمي مبنى على ظروف الحياة التي نعيشها الآن.

بدأت الرحلة

FullSizeRender (4)

يقولون في الأمثال الشعبية “أن كل تأخيرة فيها خيرة”، فقد كان التأخير في حجز رحلتي خيراً لي، حيث كانت تذكرتي الوحيدة من بين المشاركين الأردنيين التي تختلف في الرحلة، الوقت، و شركة الطيران، وحتى الدول التي سأمّر بها، وهذا أكسبني خبرة زخمة في السفر. في ليلة سفري، كنت كالطالبة التي تنتظر بزوغ الفجر لتنطلق في رحلة مدرسية مع اصدقائها، وكان الفرق الوحيد هنا أني لم أعد طفلة، وصديقاتي لن تكن معي. بالفعل بزغ الفجر، وودعت والدي ووالدتي.. حملت حقيبتي وودعت من أستطعت توديعهم على الهاتف أثناء ذهابي إلى المطار.

وصلت المطار.

دخلت من باب المغادرين لأول مرة، وحجزت مقعد بجانب شباك الطائرة لأول مرة، وحوّلت المال من عملة الى أخرى لأول مرة، وسمعت نداء الطائرة لأول مرة. كما انّي استعملت حمام المطار لأول مرة. ها أنا رحمة التي اقتصرت مغامراتي في الحياة على حدود عمّان والمحافظات المجاورة. ها أنا رحمة التي لم أر المطار في حياتي يوماً، ها أنا أصعد درجات الطائرة الجزائرية حاملة حقيبة الظهر. قررت بأن أسافر الى الأمام، تاركة خلفي مشاكلي وهمومي اليومية وجلي الصحون ، تاركة ورائي هم المجتمع والسياسة والسياسة والسياسة…

 لم أشعر بالخوف أبداً وذلك لسببين ، الأول هو ان الصوت الطائرة أثناء الانطلاق يشبه صوت غسالتنا في مرحلة التنشيف، والثاني، حلمي في السفر –لو لعشرة ايام-  يتحقق.. لا وقت للخوف والتوتر، الوقت موجود لأفتح عيناي جيداً وأعيش اللحظة إلى أقصى الحدود.

4 ساعات مع سماح

14801074_1103090426411076_2076474816_n

تعرفت على فتاة جزائرية في نفس عمري تُدعى سماح على متن الطائرة، سماح كانت عائدة لمنزل عائلتها وحدها، بعد انتهاء شهر عسلها مع زوجها اليمني الذي ولد وترعرع في السعودية، كانت سعيدة جداً ببزواجهم بعد معاناة 4 سنوات ما بينن ظروف عائلته وعائلتها. لأكون صريحة عندما عرفت بأن زوج سماح يمني ومقيم في السعودية، جددت الوعد بأن لا أقحم نفسي في السياسة، فلم أناقش أوضاع اليمنيين في السعودية، وأبقيت النقاش معها ضمن “حكي البنات”.  كنا نملك ما يقارب 4 ساعات ونصف في فوق البحر الأبيض المتوسط، لكي نتكلم عن مخاوفنا وطموحاتنا.  أخبرتني سماح عن تجربتها المتواضعة في زواجها الذي بلغ عمره شهرا واحدا، والفرق الشاسع بينه وبين الـ 4 سنوات خطبة.  وأنا أخبرتها عن بعض مخاوفي المستقبلية، وبالطبع بعض المشاكل الشخصية العالقة، والتي لم أجد لها حلاً، عسى أن ترى شيئاً لم أنتبه إليه.  شعرت بأنني أعرفها منذ ولادتي. ووجدت نقاطا مشتركة بيني وبينها أكثر من تلك النقاط بين أصدقائي الذين ترعرعوا معي في نفس الثقافة والبلد.  وهذا ما فاجأها هي أيضاً ، فكل منّا تقطن في بلد آخر، وكل منا تتكلم لهجة ولغة مختلفتين، زمع ذلك نحن متشابهتين. الوقت غدر بنا أنا وسماح، فنسينا أن نتبادل الأرقام وحسابات الفيسبوك، ظناً منّا أننا سنجلس ساعات أخرى في المطار نتبادل أطراف  حديثنا غير المكتمل قبل صعودي لطائرة رحلتي الثانية التي ستوصلني لوجهتي “تونس”. ولكن للأسف فرقتنا الحواجز والحدود في المطار، فقد ختم شرطي جوازها وأخبرها أن تدخل بوابة الجزائر، وأنا أعطاني تذكرتي، وأخبرني بان أتوجه  إلى قاعة المغادرين، لأني لا أملك فيزا استطيع تخطي فيها هذه الحواجز. ربما في رحلة أخرى، سألتقي سماح ونكمل حديثنا غير المكتمل.

أخيراً.. أتنفس تونس

FullSizeRender (2)

وصلت تونس… دخلت  في الباب الدوار. صوت عصافير تونس يتراقص في الأشجار، هواءها الرطب يعانقني بخفة، ورذاذ أمطارها يربت على رأسي بحب…  وضعت حقيبتي جانباً ووقفت لاسرق هذه اللحظة واحتفظ بها في عقلي للزمن، شعرت بأنني أمتلك جناحين استطيع التحليق بهما. هل يا ترى هذاهو تأثير تونس أم تاثير السفر بذاته ؟

الجزء الثالث: قصة لجوئي… رحلة القدر

بقلم دنيا
بعد رحلة التعتير والعذاب وهلكان الاعصاب وموت الضمير العربي، رامي وصل على مطار هيثرو بلندن،  وسلّم حاله للشرطة. قدّملهم جواز السفر السوري،  وقالهم انا سوري وبطلب اللجوء.  سأله الشرطي، كيف وصلت بجواز مزور؟ رح نرجعك هلأ على أيطاليا، وانت مش سوري !
رامي خاف ..فكر بكل اللي عاناه لوصل لهون، ويبدو علائم الرعب الواضحة على وجهه، وقدرته على التحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة، خلت شرطي تاني يقله لا تخاف،انت وصلت وماحد بقدر يرجعك، رح ناخدك ترتاح. (شكلها سياسة متبعة عندهم انه يكونوا اتنين واحد قاسي والتاني طيب.) وفعلا اخدوه على مركزلحماية الأسرة. اليوم التاني أخدوه على المحكمة مشان التحقيق الأولي. 
Print
رامي وقف  قدام القاضية. بهديك اللحظة مر بذاكرته شريط حياته، يلي كانت مزيج من الحب والخوف والشنططة والدمار والحرب. اعطاه هاد المزيج الثقة. أول ما حكى، عرّف عن حاله، واعتذر للمحكمة عن الطريقة الغير شرعية يلي دخل فيها،  وشكرها على استقبالهم اله،  ووعدها انه رح يكون مواطن صالح.  بعد هيك بلش يحكي قصته، و يجاوب على كل أسئلتها واحد وراء التاني، بصدق وروية. القاضية استمعت بكل هدوء، وبس خلص كلامه، قالتله اهلا فيك في بريطانيا.
بلش رامي ببيت جديد، وناس جداد ومجتمع جديد. كل يوم بتصل معه وبتطّمن عليه. الحمدلله الناس اللي بنسميهم “كفار” قدروا إنسانية رامي واحترموه. أعطوه مصاري و تياب ودخلوه على المدرسة . حكوا معه وتقبلوه. أموره كلها ممتازة “وأما بنعمة ربك فحدث”. مش ناقصة شي الا الحنين، صار بحياته فراغ بحاول اعبيله اياه بالتليفونات والمسجات،  واخليه بجو العيلة. هو بقول لي أنه بكون أسعد واحد بالدنيا  اذا كنا معه… اذا طارق هون. . بخفف عنه دايما انه شغلتنا بدها وقت، بس المهم أثبت حالك ونحنا مناح…
نحنا مناح؟ لا والله مو مناح.
الحقيقة انه يوسف واضح بعيونه القلق. أول كلمة بحكيها من وصلته ع البيت، رامي اتصل؟ شو اخباره؟ وبتسمع على كل كلمة ابنحكيها انا ورامي بشوق. 
أمل ..امل كمان مش منيحة، صارت تصفن وتقعد بغرفتها لحالها. بكل تنقلات المدارس يلي انتقلوا عليها، كانو يروحوا ويرجعوا سوا. كانوا يغطوا  على بعض ويفسدوا على بعض. شو كانو يجنّوا سوا،  وتوصل ضحكاتهم لأخر الدنيا، ويتقاتلوا سوا، وتوصل صواتهم للسما، ومابعرف كيف بعد ثواني يرجعوا ويلعبوا سوا. أمل بتكره الأكل يلي بكرهه اخوها، وبتحب نفس الكنباية يلي بقعد عليها اخوها، وبتحب نفس برامج التلفزيون،  يلي بحبها اخوها وحتى ابتستشيره بلبسها.  وينه رامي يلي فتحت عيونها عليه؟ وينه رفيق الأيام؟ 
اما أنا …أنا غياب رامي هدني. بشتقله بعدد ثواني اليوم. ما هو كان صاحبي ورفيق روحي. حتى جسديا تعبت أكتر بغيابه، لأنه صارت مسؤولية طارق كلها علي،  بعد ما كان رامي ايدي اليمين بالعناية فيه. 
حتى طارق من اول ليلة رامي سافر فيها، وهو منكد وتعبان. طارق يلي ضحكته بتعبي البيت، صار يبكي. معقول هو حاسس انه رامي مش بالبيت؟ أكيد حاسس. ما هو ماعم بحمله كل ما يصحى ويلعبه، ماعم يشربه ويغرقله تيابه مي، لأنه طارق بضحك وبكبها من تمه. ولا ياخده على الحلاق ويحطه على حضنه، ولا عم بترك دراسته،  وبقول حاسس طارق مالل، ولا عم بحمله على كتافة ويشقلبه ويقلد اصواته. ولا حتى عم يسوق عربايته بجنون،  مشان يشوف ابتسامته. ولا عم بجيب رامي رفقاته مشان يقولهم هاد هو طارق. يمكن طارق بسأل بعقله وينه أخوي؟ 
خليني احكيلن شوي عن قصة طارق…

قصة طارق

Print
اذا بتذكر شي كنت أخاف منه وانا صغيرة، ما كانت العتمة ولا الفتيش ولا مدينة الملاهي. كنت أخاف من المعوقين. كنت بحس انهم إشي بخوف، انه في ورا اعاقتهم وحش يمكن ياكلني بأي لحظة! 
الثقافة العربية بتقول جيبي ولادك وانتِ صغيرة،  يعني الوحدة أول ما تفقس من البيضة، لازم تلاقي ديك مشان تبلش تفرّخ. جبت رامي بعد 10 اشهر من زواجي، وبعده بأربع سنين جبت أمل. وقررت جيب الثالث، قبل ما اتجاوز الثلاثين.
وحملت بطارق…
لمّا حملت كنت كل ما اروح عالدكتورة، أخد رامي وأمل معي، يراقبوا الشاشة الصغيرة أكتر من الدكتورة . ولما عرفنا انه ولد قرر يوسف يسميه على اسم ابوه… طارق. وإجت لحظة الولادة، بأخر شهر بالسنة. وكانت اصعب ولادة في التاريخ.  حجم طارق فوق الاربعة كيلو ونص، وحضرة الدكتورة ماشرّفت بسرعة لأنه الساعة وحدة بالليل، والممرضة شايفة انه الوضع متأزم لانه شعر البيبي بيّن …انا حسيت انه طلع اول راسه. الممرضة الذكية دفشته لجوا بدل ما اتطلعة…وكانت هاي الغلطة القاتلة. إجى طارق على الدنيا وما بكي.  يمكن عارف انه مافي شي بنبكى عليه بهي الدنيا. يوم ولادة طارق يوم بوجع الراس، وبتعب كتير، وبفضح شيطنة ملائكة الرحمة. ما بحب احكي عن هذا اليوم،  ولا حتى استرجع ذكرياته الموجعة.
8b2b1f71-0609-4d9e-8205-ea4f0fee744f
تاني يوم الظهر بالمشفى، طارق على حضني، وعم حاول اسكته، لقيت رامي بدق الباب وبركض لعندي. قدر يقنع شوفير باص المدرسة انه ينزله على باب المستشفى حتى يشوف اخوه الجديد. اللحظة الأولى يلي أعطى  رامي طارق بوسة، فهمت شو يعني اخوّة، وشو يعني رابطة الدم.
بلشت المشكلة تظهر،  لما كان طارق ببكي بشكل متواصل. شهرين وطارق ما يوقف بكى. وزنه عم بقل، وأنا ما ضل شي ما عملته من خوفي عليه. كعابي دابوا وانا رايحة جاي ع المشفى والدكتورة تقولي “ده مغص،انتِ دفيه زيادة، وتصرفلي أدوية للمغص. نحنا بالسعودية وبمنطقة ما ابتعرف البرد. مغص شو ودفيه شو؟ كنت بحس انه ابني موجوع.  قررنا انا ويوسف ناخد إجازة، وننزل على سوريا لأنه هلكنا من السهر والتناوب على تسكيته.
وصلنا ع الشام والأهل فرحوا عليه كونه ولد وحامل اسم عمي، زعلوا إنه ما سكت ولا مع حد! أخدته بنفس اليوم عند الدكتور بشير جمعة بحرستا، الله يفك أسره  أو يرحمه، لأنه صارله تلات سنين مفقود. دخلت عند الدكتور انا ويوسف،  مجرد ما حمله الدكتور قال لي هاد الولد عنده مشكلة بدماغه! أنا ما استوعبت. ماعم بقولي ببطنه او بايده او برجله، عم بقول لي بدماغه.  نصحني اني اعمله صورة لراسه ورشحلي اسم دكتور دماغ وعصبيه على اساس احسن واحد بسوريا.  انا فعلا ما كنت مصدقة، وبلشت ابكي. طلعت من عنده، وانا عم أقول ليوسف، هالدكتور مو شاطر اصلا ما فحصه.  فورا صورناه بالمشفى، ورحنا لعند الدكتور بسام جوخدار. عيادته بشارع الحمرا، وصلنا على العيادة وطابور الناس واصل للشارع. أتاريه مو كل يلي بشارع الحمرا مبسوطة، وعم تتسوق.   في منهم ناس محروق قلبها وناس فاير دمها وناس عم تدعي الله يتلطف فيهم.  وصلنا للعيادة واعطيت الصورة للدكتور يلي اتفحصها بدون ما يتحرك من ورا مكتبه وقالي ببرود، ليش كل هالبكي يلي ما بقدم ولا بأخ. إبنك هاد بدك تعتبريه شقفة لحمة بالبيت، واذا عاش ما بكمل السبع سنين والله بعوض!
Print
نزلنا من عنده، وكنت اول مرة بشوف دموع يوسف ..الدنيا شتا كتير كأنه الدنيا كلها عم تبكي معنا.  ما بعرف كيف وصلت البيت، لأنه ما قدرنا انا ويوسف نعرف وين صفينا السيارة واخدنا تكسي. حكيت مع اهلي بالليل بصوت مخنوق، ودموع مفتوحة متل الحنفية. قلت لماما أنا الصبح بكون بعمان يمكن طارق مريض.
 الساعة خمسة الصبح طلعت طلعة المكسور خاطره ودافن السعادة،  حاملة طارق وندف التلج عم بتدوب ع وجهي. أخدت تكسي لعمان وصلني على بيت اهلي. لقيت بابا واختي تحت بالشارع عم بستنوني تحت الشتا، حضنت بابا وأنا ابكي وقلتله يمكن طارق مريض، واختي عم تبكي اكتر مني وتقول لي إن شالله هلأ ابنتأكد.  لما شفنا الدكتورة اكدتلي باسلوب لبق انه ابني عنده ضمور شديد بالدماغ. عقلي ماعاد استوعب، وبابا اتولى الاسئلة… يعني بمشي الولد؟بحكي؟ بعيش؟؟ وهي تقوله بكير لنحكم ونتأكد وما بنعرف شو الله كاتب ..
ورجعت سافرت لزوجي بنفس اليوم لأني بحاجته أكتر من أي وقت…
الصدمة ترجمتها بالبكي ..كنت رافضة قضاء الله وقدرة، ورافضة كلام الدكاترة. رجعنا على السعودية وانا لسة عم انكر كل شي صار. أهملت شغل البيت والتلفونات يلي الناس بدها تقولي فيها ياحرام ومسكينة،  ودخلت في حالة يأس ما بعرف فيها غير الله. وبقي حالي هيك، لحتى اجت رفيقتي ام نضال، الله يذكرها بالخير، تباركلي بطارق. ما كانت تعرف انه مريض، وبس حكتلها، ردة فعلها غيرتلي حياتي فيها. قالت لي:
[quote]نيالك إلك باب بالجنة مفتوح على مصراعيه، نيالك كل ما تحمليه رح تاخدي حسنات وتروح سيئات. نيالك الله بحبك، وبعرف انك ابتستاهلي الخير، لانه مش  كل الناس الله بختارها بهاد الثواب ..[/quote]
طلعت ام نضال وانا حسيت هاد يوم ولادتي الحقيقي. هلأ بلش عمري. نظفت البيت وطبخت واتحممت وحملت طارق من غير ما ابكي،  وبلشت اضحكله واغنيله،  وبلشت احبه بطريقة تانيه. 
بلشت اقرأ على الانترنت عن وضع ابني، واهتم بكل التفاصيل والابحاث.  تركت الشغل كله وبلشت اشتغل بطارق. اكتر من تلات سنين اخده على المشفى، أعمله علاج فيزيائي، وأشوف حالات متل ابني بكل الاعمار. بطلت أخاف من اللي عندهم احتياجات خاصة، بالعكس،  اتعلقت فيهم وحفظت اسماءهم، ومواعيدهم، ونوع العلاج.  ومرات اساعدهم بالتمارين كوني اقضي فترة الصبح بالمشفى . و استمرت حياتي بهاد المنوال حتى شفت منى.

منى وكيف غيرتني

Print
منى عمرها 16سنة. وكل شي فيها حلو. أول ما شفتها ابتسمتلها،  دارت وجهها عني وبلشت تهز، قالت لي امها، معلش عندها توحد. أنا لما قرات عن امراض الدماغ،  قرأت عن مرض التوحد وعندي صار فكرة منيحة عنه . سألت امها ابتحكي؟  قالت لي خفيف بس هي متوحشة كتير، اذا عصبت بتكسر الدنيا ، ترى هي مجنونة.  أخ شو كان نفسي اضربها لأم منى على وصفها لبنتها، ويومها اتأكدت انو المعاق الحقيقي، هو يلي ما بيتقبل الاختلاف ولا حتى بحاول تتعلم كيف يتعامل مع ابنه المريض. رحت لعند منى، وقلت لها كيفك؟ وانا حاطة ايدي ع وجهها. بلشت تهز بقوة اكتر، قلتلها كتير انتِ حلوة.  شو اسمك؟ وابتسمت منى وانصدمت الأم.
صرت اشوف منى دايما، وبلشت تبتسملي من بعيد لحتى اجت امها وطلبت مني اصير اروح عندها على البيت ادرّس  منى لانها بتعاني معها وابتعملها مصيبة كل ما بتركب السيارة. انا وافقت لاني حبيت منى. وصرت كل يوم الصبح، أخد طارق واروح عندها. 
المخيف انه اهلها عازلينها بطابق لحالها. موفرين إلها تياب وعطور من اغلى الماركات وشاشة تلفزيون عملاقة، وشغالة خاصة، والعاب.
كل شي موّفر  لمنى الا الحب..
منى انسانة ذكية كتير بلشت تعد الارقام من وراي، وتركب الليچو متلي وتعمل حركات اغنية هالصيصان شو حلوين. وحققتلها امنية اني نزلت معها على حديقة الفيلا ولعبتها على المرجيحة.  تميت مع منى أربع شهور. يوم من الأيام، كنت وانا عم اطلع الدرج غنيلها كالعادة منى يامنى شو حلوة يامنى،  أول ما شافتني تمت قاعدة وصارت تغني “انا انسان انا انسان …لي احساس ..انا انسان” ودموعها ع خدودها ودموعي غرقت الدنيا.
طلبت من أمها اخدها مشوار، وبعد مباحثات مع السلطات العليا وافقت. ركبت منى السيارة بكل هدوء، امسكت انا ايد منى،  ورامي مسك ايدها التانية. بس تركض نركض معها،  سمعت صوت ضحكتها العالي واتمنيت ماتروح الضحكة عن وجهها. لحتى وصلنا ع بيتها وما رضيت تنزل من السيارة. إجى ابوها واخوها صرخوا عليها وضربوها ونزلوها بالغصب. ضربوا منى،  وما قدرت اعمل شي . قررت ما بقى اقدر اتحمل  بعد هاد الموقف أروح عندهم.  وأصلا نزلتي النهائية ع سوريا قربت.
قصتى مع منى غيرتني، حملتني مسؤولية على ظهري لحد ما صارت حلمي. حلمي اني أغير ثقافة الناس. نفسي احكي لكل الناس،  هدول مش معاقين هدول بشر ذوي احتياجات خاصة. هدول بشر، عندهم محبة ونقاء اكتر منا نحنا الطبيعين. هدول بشر، عندهم مشاعر واحاسيس اكتر من نص الناس يلي ماتت مشاعرهم.  هالحلم هاد بده صبر وعزيمة، وأنا رح أشتغل عليه لو شو ما كان، حتى ما يصير مع أي حدا أي موقف صادم مثل لما اتفقت مع رفيقتي نطلع مشوار، واتصلت علي قبلها وطلبت مني اني ما أجيب طارق منشان أولادها ما يخافوا منه. عفوا! هي اللي عندها ضمور شديد في الإنسانية.
ثقافتنا العربية ما عودتنا نشوف بالمدارس أي ناس شكلهم مختلف عنا، وشوارعنا مش مخصصة لأي احتياجات. حتى بكل تطورنا بالاسواق والمولات، مافي مستثمر بفكر تكون بضاعته لذوي الاحتياجات الخاصة. بننكرهم، وكأنهم وهم مش موجودين بينا. هاد التفكير الاعوج، ضغط على كتيرعائلات، وخلاها تستحي من ولادها المريضة، ومرات تخبيهم.  وصعّب عليهم الحياة بالاحتياجات البسيطة يلي مش متوفرة ، وإذا  توفرت سعرها خيالي… وهاد بعد تجربتي باربع بلاد عربية،  دخلت منافسة بأكبر حلة كبسة واكبر صحن حمص واكبر صدر منسف.  

الحلم الوحيد

Print
لما صار عمر طارق تمن سنين، كان عندي احساس بالرعب لانه عمري ما نسيت كلمة الدكتور “ابنك ما بكمل السبع سنين” فقت الصبح، ولما لقيته بتخته عم يضحكلي، نزلوا دموعي من الفرح. لقيت حالي عم فكر وبحكي مع ابني ، قلت له  إذا الله بحققلي أمنية وحدة بس، ما رح تكون يا حبيبي اني أطلب من الله يشفيك، لأني بحبك هيك،  ولأني راضية بقضاء الله معك. رح أطلب من الله يعطيك العمر لتشاركني بكل أفراحي.  بلوم حالي كتير وبتمنى امحي لحظات من حياتي،  فكرت فيها إنك حرقتلي قلبي وماعاد أقدر أفرح بأي شي. هلأ شايفة وحاسة إنك إنت أصلا مصدر فرحي، وإنه فرحتي هي وجودك معنا. 
انا عندي حلم واحد ، إنك واقف ع باب الجنة وبس تشوفني تركض علي وتحضني وتقولي أنا بحبك يا ماما وتاخد بايدي وندخل سوا.  الكلمة يلي دايما بحلم اسمعها منك، يمكن لسانك ما نطقها، بس انا بسمعها بقلبي وبشوفها بعيونك، وبتجاهل كل كلام الدكاترة بانه  ما ابتعرفني.  يالله شو كنت اتمنى أجيبلك بسكليت وأشوفك عم تلعب عليه وأجيبلك شنطة للمدرسة، وحتى جبلك بوط تركض فيه. وأعملك اكلات طيبة وكيكة تقسمها  بايدك. بتمنى أجيبلك كل الدنيا.  هلا ما بتمنى الا إنه ربنا يطول عمرك، وتكمل معي أيامي يا بركة حياتي . 
أكيد  كل واحد اخد قرار اللجوء لأوروبا،  كان عنده أمل بشي وحلم خاص فيه. وأنا لما اخدت قرار اللجوء لابني رامي، كان مشان ابعته لبلاد فيها الانسان أله قيمة. ويلي عنده حالة خاصة بتعامل بكرامة وانسانية. .نحنا بشر مافي حدى درجة اولى ودرجة عاشرة ومافي حدى معاق الا  معاق الفكر وضيق الأفق….
وبتمنى بيوم من الايام نرجع لبلادنا مشبعين بثقافة تقبل الاخر وتقبل الاختلاف.
اما رامي يلي عم بشق طريقه ويحاول يحقق احلامنا البسيطة ويكون منقذ العيلة ، قربت محكمته ليصدر الحكم بقرار لجوئه.
يتبع…