المجزرة: وثائقي يسرد أحداث مجزرة صبرا وشاتيلا من وجهة نظر مرتكبيها

Massaker

شذى الشيخ 

“يقول شكلوفسكي فى مقال نقدي، لعله أشهر مقالاته شيوعا: إن التعود يلتهم الأشياء، يتكرر ما نراه فنستجيب له بشكل تلقائي، كأننا لا نراه؛ نقوم بنفس الأعمال بآلية، كأننا لا نقوم بها. لا تستوقفنا التفاصيل المعتادة كما أستوقفتنا في المرة الأولى، نمضي وتمضي، فتمضي بنا الحياة كأنها لا شئ، تذهب سدى.” – رضوى عاشور، أطياف

بهذه الكلمات قد نصف ما حلّ بقضية صبرا وشاتيلا، فبعد مرور 34 عاماً على حدوث المجزرة، اعتاد الناس على التضامن مع ضحاياها لأنهم لم يستمعوا سوى لقصصهم هم، شعورهم بالتضامن ينبع من حزنهم على ما حلّ 3500-5000 فلسطيني كانوا ينامون بسلام عندما قامت المليشيات المسيحية اللبنانية بمساعدة الجيش الإسرائيلي بمحاصرة المخيم وذبح وقتل واغتصاب سكانه على مدار ثلاثة أيام.

استماعنا لقصة المذبحة من وجهة نظر ضحاياها ومن شهد حدوثها، عمل على تسطيح مشاعرنا وجعل المشاعر التي نحملها اتجاه مرتكبي المجزرة تقتصر على مشاعر الغضب، في الوقت الذي من المفترض أن نشعر فيه بمشاعر أعمق من ذلك بألف مرّة، مشاعرٌ تعكس خوفنا وقلقنا من وجود أناسٍ ارتكبوا أفظع الجرائم في تاريخ البشرية ولايزالوا يعيشون بيننا بدون أن تتم محاسبتهم، مشاعرٌ تتحدث عن إحساسنا بالخطر من قدرة “العنف الجماعي” والرغبة في الانتقام على تحويل المرء إلى حيوانٍ مجرّد من أية أحاسيس قد تجعلنا ننظر إليه، ولو للحظة، ككائن حي يمتلك قطرة واحدة من الإنسانية.

وهذا بالضبط السياق الذي عمل الفيلم الوئاثقي “المجزرة” للمخرجة الألمانية مونيكا بورغمان على إخراجنا منه؛ فبدلاً من أن يروي الوثائقي أحداث القصة من وجهة نظر الضحايا، قام الفيلم بمقابلة ستة قتلة من مليشيات لحدّ، وجعلهم جيمعاً يروون جرائمهم دون أن يتم التعليق على كلامهم من قبِل محلل أو معلق كما يحدث غالباً في الأفلام الوثائقية.

في البداية، يتخيل لمتابع الفيلم بأن طريقة التصوير سيئة، إلّا أنه يتضح فيما بعد بأن المخرجة تعمدت إظهار محتوى فيلمها بهذه الطريقة. بريغمان لم تظهر وجه أي شخصٍ من هؤلاء القتلة، بدلاً من ذلك قامت التركيز على جسدهم ولغته، لتكشف لنا مشاعرهم حول ما ارتكبوه من جرائم ومشاعرهم حين ارتكبوها.

رواية القتلة لما قاموا بفعله لضحاياهم من قتل وتنكيل بالجثث واغتصاب مزعج إلى حدٍّ بعيد؛ فعدا عن فظاعة جرائمهم، فكرة أنك تنتمي إلى نفس الجنس البشر الذي ينتمي إليه هؤلاء القتلة يجعلك تريد أن تنسلخ عن كل ما قد يجعل هؤلاء محسوبون عليك.

أصوات القتلة، وشرحهم للكيفية التي ارتكبوا فيها المذبحة تظهر لنا جلّياً عدم شعورهم بالندم اتجاه ما ارتكبوه من جرائم، بل على العكس، يشعر المشاهد بمدى الغيظ والحقد الذي لازال يملأ قلوبهم اتجاه ضحاياهم.

ففي المشهد الأول من الفيلم نرى يداً ترسم دائرة يشرح من خلال القاتل الطريقة التي تم فيها محاصرة المخيم ومهاجمته، ومن ثم يقوم بإخبار المخرجة بأن شعارهم عندما توجهوا نحو المخيم، كان: “كبير، صغير، مقمط بالسرير، ما في بقلبكم رحمة” في دلالة على عزمهم على قتل أي روح داخل المخيم. بعد ذلك يسترسل القتلة في رواية جرائمهم بدون أسفٍ أو ندم، فمنهم من يقول بأنه قام باغتصاب فتاةٍ ثم قتلها طعنا ثم بال على جثتها، ومنهم من قام بحفر حفرة ورمى فيها الناس وقتلهم بالمواد الكيماوية ليتخلص منهم ومن جثثهم مرةً واحدة، ومنهم قام بتمثيل الكيفية التي كان يطعن فيها ضحيته مع شتمه ومنهم من قال: “أول حدا بتقتلوا بكون صعب الموضوع، التاني والتالت بصير أسهل، ع الرابع بتصير تستمتع بالشعور.”    

image.adapt.960.high.ariel_sharon_07a

 آريل شارون المسؤول عن تدريب المليشيات اللبنانية المسيحية والمسؤول عن مجزرة صبرا وشاتيلا. المصدر: Aljazeera

أمّا المرعب أكثر في الاستماع إلى روايتهم، هو رؤية تأثير “العنف الجماعي” على تحويل المرء من إنسانٍ سوي إلى حيوان، ففي إحدى المقابلات التي أجرتها بورغمان، يقول الشخص بأنه لم يستطع في البداية الدخول إلى المخيم وقتل من في داخله، فعاد إلى منزله وحاول النوم، إلّا أنه لم يستطع النوم وذلك بسبب شعوره بضغط الجماعة التي كان ينتمي لها عليه، فعاد إلى المخيم وقام بقتل عجوزٍ كان نائماً في سريره ومن ثم عاد إلى بيته وهو سعيد بأن لا أحد سيستطيع بعد الآن مناداته بالجبان.

هذا الوثائقي الذي أخرجته الألمانية بورغمان، يركز بالدرجة الأولى على العنف الذي يقشعر الأبدان وذلك على الرغم من عدم احتوائه على أيّة مشاهد تُظهر صور الضحايا. العنف الذي يركز عليه “المجزرة” نشعر به من خلال كلام القتلة الستة ولغة جسدهم.

وفي نهاية الأمر، تكشف لنا قصص هؤلاء القتلة، مشكلتنا كعرب في التعامل مع أخطائنا، فنحن لا نمسك المشكلة ونحللها ونعاقب مرتكبها ونعوض ضحيتها ونقضي على جميع الأسباب التي أدت إلى حدوثها، بل نتجه دائماً نحو النسيان والتعامل مع أي وضع على أساس أنه وضع مؤقت استلزم منا التصرف بطريقة بشعة ولاإنسانية.  فعلى الرغم من فظاعة المشهد في حرب لبنان الأهلية وعلى الرغم من أن هذه الحرب دمرّت البلد بأكملها إلّا أن المسؤولين عنها لازالوا موجودين على الساحة السياسية، يترشحون ويلقون الخطب ويحكمون مصير البلد السياسي والاجتماعي والطائفي.  لازال مجرمي الحرب الأهلية يعيشون بين الشعب اللبناني بسبب العفو العام الذي صدر بعد انتهاء الحرب الأهلية، والذي سمح لهؤلاء المجرمين بالعيش بحرية بين البشر على الرغم من ارتكابهم لأفظع الجرائم وعلى الرغم من عدم احساسهم  بذنب اتجاه ضحاياهم في صبرا وشاتيلا.

ولهذا ستبقى مجزرة صبرا وشاتيلا شاهدةً على عجزنا كعرب عن التعامل مع مشكلتنا في الحد من قذارة أفعالنا كبشر. كما أن في سكوتنا وتناسينا ومحاولتنا للصفح عن صفحة من التاريخ كتبها أناس يتفاخرون بتسطيرها بأقلام من دم، إشارة إلى تورطنا بكل الدماء التي سالت يوماً في الوطن العربي والتي لاتزال تسيل إلى يومنا هذا.

عكس التيار: صباح فيروز

Web

شذى الشيخ

قد نكون كعرب الشعب الوحيد في العالم الذي يُجمِع على الاستماع لمغنٍ واحد في الصباح الباكر، الأمر الذي يجعلنا جميعاً مدينين للبنان لمنحنا كُلّنا نعمة فيروز وصوتها.

 فيروز هي التي لولا قدرات صوتها على تلطيف أخبار الجرائد لأصيب ذلك الرجل المدمن على قرأتها صباحاً على شرفة منزله في القدس أو دمشق أو القاهرة بأزمةٍ قلبية. فيروز هي التي بوسطتها وحب الذي يكبر البحر، لأصبحت طريق الجامعة بالنسبة للطلاب طريقاً لا ينتهي. فيروز هي التي تُوسِع صدرنا بأغانيها حتى عندما يضيق خلقها من الجو العصبي.

وليست فيروز كغيرها، فهي من غنّت للوطن لا للحكومات، وهي من غنّت للشعب لا للقيادات، وهي من غنّت للسلام ولكن لم تتوانى عن رثاء الفدائيين والمقاومين، وهي من جعلتنا ندرك بأن الكلام البسيط هو الأقدر على التعبير عن حالنا كوطنيين وعاشقين وفقراء أو حتى مجرد زهرة من زهور تشرين.

فيروز جعلت من ذلك “البيت صغير في كندا” ملجأ العرب جميعاً، وأصبحنا كلنا نبحث معها عن شادي الذي أضاعته الحرب الأهلية، وكانت جملتها “بحبك ما بعرف هنّ قالولي” جاوبنا المعتمد لسؤال الناس عن حبنا للبلاد على الرغم من خرابها وقسوتها.

وكأن القدر أرد تخفيف قُبح عالمنا الحقيقي عنّا فأرسال لنا فيروز لتخلق لنا عالماً مثالياً على الرغم من أن فيه حبيباً “أساسياً” صار عنده ولاد، وعلى الرغم من أن فيه مرسالاً لم يعد يُرد عليه بمرسالين، وعلى الرغم من تعب ديبه الذي لم تتوقف صراخته أملاً في عودة من كانوا مثل زهر البيلسان.

عالم فيروز مثالي لأنه مليئٌ بالبوسطات التي لا يسأل فيها الشفير عن أجرة الركاب، والفتيات اللواتي يرين في الحبِّ وعتاب الحبيب حقّاً، وبذلك الطاحون الذي يلعب حوله الجميع كباراً وصغاراً، وببلدٍ “صغيِّر”، نرى في كرامته ومحبته غضب.

1- إيه في أمل 

2- سهر الليالي 

3-عودك رنّان

4- تعا ولا تيجي

5- يا جبل اللي بعيد