عندما يحتكر اتحاد التلفزيون المصري الإعلام على النحيلات

333_0

شذى الشيخ

أثار الخبر، المتعلق بفصل اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري لثماني مذيعات لمدة شهر وذلك حتى يخسرن وزنهن الزائد، سخط الأوساط النسوية والحقوقية في العالم العربي. فبحسب ما نُشِر في جريدة اليوم السابع المصرية، فإن مجموعة ERTU الإعلامية الرسمية، والتي ترأسها الإعلامية صفاء حجازي، قررت منع المذيعات ذوات الوزن الزائد من العمل لمدة شهر كامل، وذلك حتى يصبح مظهرهم الخارجي “مناسباً” للظهور على شاشة التلفاز. الأمر الذي دفع بعض المؤسسات الحقوقية للطلب من المذيعات الموقوفات أن يرفعن قضية على الاتحاد لاتخاذه هذا القرار المجحف بحقهن. 

هذه الخطوة التي اتخذها اتحاد التلفزيون المصري والذي – يا للسخرية- ترأسه إمرأة، شملت فقط المذيعات ذوات الوزن الزائد، ولم يشمل القرار المذيعين ذو الوزن الزائد، الأمر الذي يجعلنا نصنف الفعل الذي قام به الاتحاد  تحت مسمى “التحيز الجنسي ضد المرأة” و”التعنيف النفسي للنساء البدينات”. بالطبع لم تكن هذه المرّة الأولى التي يقوم بها الاتحاد بتوقيف مذيعات عن العمل بسبب وزنهن الزائد، ففي عامي 2003 و2005 أصدر الاتحاد قراراً بإيقاف مذيعات عن العمل بسبب وزنهن الزائد وتوجيه التنبيه لأخريات بدت عليهن علامات زيادة الوزن. وكانت صفاء حجازي نفسها قد أوقفت عن العمل العام 2007 بسبب وزنها الزائد ومُنِعت من الظهور على شاشة التلفزيون. 

اتخاذ اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري لهذا القرار التعسفي، يدفعنا للتفكير مليّاً بالثقافة والصور التي يسعى الإعلام إلى ترسيخها في أذهاننا وأذهان أولادنا، فنحن نعيش الآن في أوقاتٍ كل ما يظهر فيها على التلفاز مشابه للآخر، جميع النساء نحيلات، وجميعهن يمتلكن نفس الأنف ونفس الشفاه ونفس الصدر ونفس المؤخرة، وجميعهن يتم التسويق لهنّ على أنهن يمثّلن الصورة “الطبيعية” و”المثالية” للمرأة.

60508

الإعلامية صفاء حجازي التي تم منعها في 2007 من ممارسة عملها كإعلامية بسبب “وزنها الزائد”، تمنع زميلاتها في المهنة من العمل لنفس السبب!! المصدر: Rehab FM

لا يمكننا إنكار تأثير الصور والأشخاص الذين يظهرون على التلفاز، على الناس عامةً وعلى المراهقين خاصة، فبحسب دراسةٍ جديدة نشرها أرشيف طب الأطفال والمراهقين، فإن الصورة التي يكونها المراهقين في رأسهم عن الجسد تتأثر بشكلٍ كبيرٍ جداً بما يروه على التلفاز، الأمر الذي يدفع العديد من الفتيات إلى فقدان الثقة بنفسهم والرضى عن أجسادهن، فسبعة وثمانون بالمئة من الفتيات والنساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 11 و 21 عاماً يعتقدون بأن العالم يحكم عليهن بناءً على شكلهن لا قدراتهن، وذلك بحسب دراسة أجرتها Girlguiding.

عملية غسل الدماغ هذه، تُعلِّم الفتيات منذ صغرهن ضرورة السعي إلى الحصول على معايير الجمال المثالية التي من المستحيل الوصول إليها، وذلك بدلاً من أن تُعلِّمهن ضرورة أن يحافظوا على صحة جسدهن وأن يكونوا راضياتٍ عن مظهرهن الخارجي، فالإعلام يقول لنا بأن عليكِ أن تكوني نحيفة لا أن تكوني بصحة جيدة.

كما أن إظهار هذه المعايير على أنها المعايير الوحيدة التي يجب على الإنسان تحقيقها، جعلت مجتمعاتنا تتعامل مع موضوع زيادة الوزن بطريقة متطرفة بشكلٍ مقرف، فقد يجادل البعض بالقول بأن البدانة تؤثر بشكلٍ سلبي على صحة الإنسان، هذا صحيح، ولكن هل الشخص الذي ينتقد الشخص البدين أو يعنّفه لفظيّاً بإسماعه لتعليقاتٍ أقل ما يقال عنها “لئيمة”، يفعل هذا لأنه يأبه بصحة الشخص الذي أمامه؟ الجواب هو لا، كل الذين ينتقدون الأشخاص ذو الوزن الزائد، ينتقدونهم لأنه لا يعجبهم مظهرهم الخارجي، ولأنهم كانوا أجمل عندما كانوا أصغر حجماً، أو لأنهم سيبدون أجمل لو خسروا القليل من الوزن.

المذيعة-خديجة-خطاب

الإعلامية خديجة خطّاب، إحدى المذيعات اللواتي تم منعهن من العمل لمدة شهر بسبب وزنهن. المصدر: المصدر

والدليل على هذا هو ما فعلته إدراة اتحاد الإذاعة والتفلزيون المصري، فهي لم تفصل المذيعين ذو الوزن الزائد من الرجال، وذلك لأن الوزن الزائد عند  الرجل مُتقبّل إلى حدِّ ما في مجتمعاتنا، في حين أن وزن المرأة الزائد يثير زوبعة من التعليقات “الوقحة” حولها، كما أن ما فعلته الإدراة لم يكن تبريره خوفها على صحة مذيعاتها، بل كان تبريرها بأن وزن مذيعاتها لا يعتبر “مناسباً” للظهور على شاشة التلفاز، الأمر الذي دفعها إلى فصلهن عن عملهن لمدة شهر، وذلك لأنهم يعتقدون بأن توقيف المذيعات عن العمل سيُحَفِّزهن على خسران وزنهن، في الوقت التي  تُظهر فيه نتائج  دراسة أُجريت مؤخراً، بأن تعنيف الأشخاص ذو الوزن الزائد لفظيّاً أو انتقاد وزنهم بشكل مستمر، يؤثر بشكل سلبي على صحتهم النفسية والجسدية، ويعطي نتائج عكسية؛  فالعديد من الأشخاص يصابون بمرض فقدان الشهية، وبالاكتئاب وبالقلق النفسي بسبب التعليقات التي يسمعونها والمعاملة التي يتلقونها ممن حولهم طوال الوقت.

على الإعلام بكل أشكاله الالتفات إلى ضرورة أن يتم اختيار ممثليه بناءً على ذكائهم وثقافتهم وقدرتهم على تقديم محتوى فكري قوي لا على شكلهم الخارجي، فما الفائدة التي سيجنيها العالم العربي من امتلاكه لإعلاميين يجسّدون المعنى الحقيقي للمثل القائل: “من برّا رخام ومن جوّا سخام”؟ 

o-PIC-570

الاعلامية المصرية هدى الجندي. المصدر: Huffington Post Arabi

تقييم الإعلاميين بناءً على قدراتهم وكفاءتهم يجلب بالتأكيد التنوع للشاشات العربية، فسنجد المذيعة السمراء والمذيعة الشقراء، المذيعة النحيفة والمذيعة البدينة، المذيعة الطويلة والمذيعة القصيرة، وبهذا سيصبح الجمهور قادراً على التواصل أكثر مع هؤلاء كونهم يمثّلون الأشكال الطبيعية الموجودة في مجتمعاتنا، وبالتالي فإن صغار السن والمراهقين لن يشعروا بأن عليهم أن يتمتعوا بمظهرٍ معيّن، بل سيدركون بأن كل ما عليهم امتلاكه هو ثقافة عالية، لا “كعباً عالي”، فوحدها الثقافة قادرة على تحقيق أحلامهم وتحويلها لحقيقة.   

ولكن، وبدلاً من أن يقوم اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري من الانتباه إلى كل هذا الكلام وإلى المحتوى الإعلامي الذي يقدّمه والذي أصبح مستواه يتدنّى مع الوقت، وبدلاً من التركيز على أن عمل المذيعة هو تقديم مادّة مفيدة للمجتمع لا عرض شكلها له، يرى الاتحاد بأن تقدمه كمؤسسة إعلامية لا يتحقق إلّا عندما تصبح مذيعاته نحيلات، فهنيئاً لنا العرب امتلاكنا لمؤسسة إعلامية يرتبط نجاحها وتقدمها بقياس خصر مذيعاتها.