فيديوهات التجميل التعليمية: هل أصبحت مساحيق التجميل معياراً للجمال وحب الذات؟

H85A8570lowres

المصدر: Mystiquebeaute

شذى الشيخ

لا أعلم إن كنت الفتاة الوحيدة التي تشعر بعدم الارتياح عند مشاهدة فيديوهات التجميل التعليمية التي اجتاحت مؤخراُ Youtube ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، ولكن ما أعلمه هو أن مساحيق التجميل أصبحت اليوم أمراً أساسياً في حياة الفتيات، وأنها لم تعد حكراً على فئة معينة من العمر، فالفتيات من جميع الأعمار وأقصد بذلك حرفيّاً “جميع الأعمار” بدأن بوضع الكثير من مساحيق التجميل على وجههن كل يوم بمناسبة وبغير مناسبة. 

من الصحيح أن مساحيق التجميل لم تكن حكراً على عصرٍ دون الآخر، فالفراعنة كانوا يضعون الكحل الممتد إلى الأبد خارج العين. والنساء في العصر الفيكتوري اشتهرن بوضع الكثير من البودرة لتبييض بشراتهن. ولكن اليوم بات من الملاحظ أن جميع أساليب وضع الميكاج في العصور السابقة أصبحت كلها مجتمعة في عصرنا هذا؛ فالآن أنت لست بحاجة فقط للكحل او للبودرة، بل أنت بحاجة لكريم أساس أصفر وبودرة بيج ومحدد بني غامق وهايلاتر أبيض وبلشر زهري وكحل أسود أو أزرق أو أي لونٍ آخر يتلاءم مع لون ظلال الجفون الذي تريدين استخدامه. 

مقالي هذا لن يتناول حق الفتاة في اختيار ما تضعه على وجهها أم لا وبالتأكيد لن أقوم بالقول بأن الفتيات اللواتي يضعن مساحيق التجميل على خطأ ومن لا يضعنه على صواب، ولكني هنا أحاول فقط تسليط الضوء على السبب الذي يدفع العديد من الفتيات إلى استخدام هذه المساحيق بصورة مفرطة ومن الذي أقنعهن بأن المساحيق التجميلية هي وسيلة للتعبير عن الذات. 

نعم العديد من الفتيات يقلن بأنهن يضعن المكياج كوسيلة للتعبير عن ذاتهن والعديد منهن يقلن بأنهن يضعنه لأنفسهن لا لإثارة إعجاب الجنس الآخر. وأنا هنا لن أقوم بتكذيب هذه الأسباب، فأنا أعرف العديد من الفتيات اللواتي بالفعل يحبن وضع مساحيق التجميل لأنفسهن ولأنهن يعتبرنها نوعاً من الفن، ولكن ليس جميع ما نقوله ونصدقه عن أنفسنا يكون صحيحاً، حتى لو كنّا مقتنعين بأننا لا نتأثر بمعايير المجتمع ونظرته. 

فسبعة وثمانون بالمئة من الفتيات والنساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 11 و 21 عاماً يعتقدون بأن العالم يحكم عليهن بناءً على شكلهن لا قدراتهن، وذلك بحسب دراسة أجرتها Girlguiding. برأيي لا يجب أبداً إغفال حقيقة أن هذه الدراسة قامت باستهداف فتياتٍ صغيراتٍ بالعمر، ففي هذا دلالة على أن أفعال الشخص وقناعاته ما هي إلّا عبارة عن تراكمات لما يراه ويسمعه كل يوم؛ فعندما نرى بأن جميع الفتيات بتعرضن منذ نعومة أظافرهن لكل أنواع التنميط الجندري من ألعاب باربي ممشوقة القوام ومدهونة بمساحيق التجميل إلى تشبيههن بأميرات القصص الخرافية اللواتي يتناسب جمال مظهرهن الخارجي تناسباً طردياً مع حسن خلقهن وطيبة قلبهن، إلى أيضاً تعريضهن للدعايات والمسلسلات والأفلام التي لا تكف عن ربط الجمال بمعايير معينة سواء كان ذلك بالطول أو العرض أو لون العينين والشعر أو حدة الفك السفلي. 

إن جميع هذه العوامل التي تتعرض لها الفتاة منذ صغرها إلى أن تموت تساهم بشكلٍ كبير في تحديد خياراتها، ناهيك عن اعتقاد المجتمع بأن الفتاة التي لا تضع المساحيق التجميلية بأنها “معقدة” أو “مسترجلة” أو ببساطة لا تحب ذاتها لذلك لا تقوم ببذل مجهودٍ للاعتناء بنفسها. جميع هذه الأشياء تعمل بشكلٍ أو بآخر بإقناعنا بأننا ما نفعله هو حرية شخصية ولكنه في الحقيقة ما هو إلّا ضغط اجتماعي ثقافي نجح في هزّ ثقة المرأة بنفسها ولعب ببراعة على وتر حبها بالشعور بأنها الأجمل.   

لذلك ومع اجتياح هذه الفيديوهات التي تنشرها خبيرات التجميل لمواقع التواصل الاجتماعي، بدأت النساء بالاقتناع أنه ليس عليهن الاكتفاء بالقليل من المكياج مادام بإمكانهن استخدام الكثير وتغيير شكلهن إلى شكلٍ آخرٍ تماماً يشبهن فيه “الناتشرل لوك” لكيم كاردشيان ولكريستينا أوغيليرا وما إلى ذلك. أمّا الأنكى من ذلك، فإن انتشار هذه الفيديوهات وانتشار تطبيقها من قبل الفتيات جعل النساء يشعرن بأنهن الآن في منافسة مستمرة مع الممثلات والمغنيات ومع زميلاتهن في العمل والدراسة أيضاَ. 

أمّا بالنسبة لظاهرة الاستماتة في الدفاع على الفتيات اللواتي يضعن الكثير من المساحيق التجميلية، فربما علينا قبل أن نشغل نفسنا بالدفاع عن من لا يهمها رأينا في الذي تضعه على وجهها، أن  نتوقف عن مناداة الفتيات اللواتي يكرهن وضع أي شيءٍ على وجههن بالفتيات بالمسترجلات أو بغير مدركات لأنوثتهن. 

فأنوثة المرأة وجمالها يأتيان من ثقتها بنفسها لا من ألف طبقة كريم أساس تضعها على وجهها، وأنا لا أدين هنا من تضع مساحيق التجميل بكثرة ولكنني أرفض أن تصبح هذه المساحيق معياراً يُقاس عليه جمال المرأة وحبها لاعتنائها بذاتها وأرفض أن يتم النظر للفتيات اللواتي يتجنبن وضع المساحيق التجميلية، نظرةً سلبية.

كريمات تبيض البشرة والجانب المظلم من صناعة الجمال

شذى الشيخ

تعتبر كريمات تبيض البشرة من إحدى مساحيق التجميل التي تعمل على الدفع بفكرة أن الجمال مرتبط دائماً وأبداً بالبشرة البيضاء، وأنه من المفضل أن تقوم النساء ذوات البشرة الداكنة باستخدام مستحضرات التفتيح هذه للحصول على بشرة “مقبولة” أكثر.

مشكلة كريمات التبيض ليست وليدة اللحظة، وبالتأكيد أن فكرة الجمال يرتبط دائماً بكل ما هو “أبيض” لم تنغرس في عقولنا فقط بسبب تعرضنا المستمر لجميع إعلانات التجميل التي لا تستخدم إلّا عارضات الأزياء والممثلات الشقراوات. فمشكلة مستحضرات تفتيح البشرة مثل Fair & Lovely تعود في أصولها إلى الفترة التي استطاع فيها الرجل الأبيض استعمار العالم؛ حيث استطاع بفعله هذا اقناعنا بأنه عرقه هو العرق الأسمى وبأن صفات الجينية التي يحملها من بياض البشرة إلى الشعر الأشقر إلى العينين الزرق، ما هي إلّا المعيار الوحيد لكون الإنسان إنساناً كاملاً؛ لهذا قام باستعباد الافريقيين، ولهذا أيضاً قام كريستوفر كولومبس وغيره من المستكشفين بارتكاب مجارزٍ بحق السكان الأصليين لدول “العالم الجديد”، ولهذا لازالت الهند حتى يومنا هذا تعتبر ذو البشرة الفاتحة أعلى منزلةً من أولئك أصحاب البشرة الداكنة.

أمّا شركات التجميل، فإنها لا تجد أي حرج في جني أموالٍ طائلة عن طريق ترسيخ فكرة اللامساواة بين ذو البشرة الملّونة والعنصرية ضدهم، وفكرة أن هؤلاء الأشخاص عليهم أن يستخدموا مستحضرات تفتيح البشرة إذا ما أرادوا الحصول على فرصٍ أفضل في الاندماج في المجتمع وفي قبوله لهم.

ومن المعروف أن في مجتمعاتنا العربية خصوصاً يتم النظر للبشرة السمراء على أنها عيب في مظهر الفتاة، فترى الناس يرددون دائماً العبارة الآتية عن تحدثهم عن فتاة سمراء بقولهم:” ما شاء الله عليه حلوة، بس سمرا”. ومن المعروف أيضاً بأن العديد من الأمهات يرفضن حتى الآن تزويج أبنائهن لفتاة ذات بشرة داكنة.

9983_1

فير آند لفلي أكثر المستحضرات التجميلية استهلاكاً لفكرة أن الأبيض أجمل. المصدر:Seraphic Truth

ولهذا السبب، فإن استمرار صناعة التجميل بالترويج لكريمات التبيض هذه له آثار سلبية على نفسية المُستَهلِكة لهذا المنتج والمُتلقية للكم الهائل من الدعايات والبرامج التي تعمل على ترسيخ عُقدة النقص في عقولهن، وعلى تدمير ثقتهن بأنفسهن.

أمّا بالنسبة للآثار السلبية التي تتركها هذه المستحضرات على صحة المستهلك فحدِّث ولا حرج؛ فهذه المنتجات تقوم باستهداف صبغة الميلانين في الجلد والعمل على التقليل من نسبتها فيه، ومن المعروف بأن صبغة الميلانين هي المسؤولة عن لون البشرة والعينين، وبأن هذه الصبغة تزيد عند الشعوب التي تتعرض لأشعة الشمس أكثر من غيرها لحمايتهم منها وبالتالي فإن زيادتها تعني أن يصبح لون البشرة داكناً أكثر.

وتعمل هذه الصبغة على وقاية الجلد من الأشعة الضارة التي تصدرها الشمس، وبالتالي فإنها تقلل من نسبة إصابة المرء بسرطان الجلد. وبناءً على ذلك فإن استخدام هذه المستحضرات من قبل الدول الافريقية والعربية والآسيوية يعني بالضرورة إرتفاع نسبة إصابة مستخدميها لمرض سرطان الجلد. كما أن هذه العملية تتسبب بإفساد تناسق لون البشرة وبإظهار بُقعٍ داكنة عليها. 

وعلى عكس الفكرة السائدة بأن مستحضرات تفتيح البشرة تؤثر فقط على الطبقة الخارجية لجسم الإنسان، إلّا أن ما لا يعرفه معظم الناس هو احتواء هذه المستحضرات على مادة الزئبق التي بمجرد اندماجها مع خلايا الجسم، تسبب ضرراً كبيراً على وظيفة الكبد. كما أن استخدامها أثناء الحمل يؤدي إلى زيادة إحتمالية إصابة الجنين بإضطرابٍات عصبية. 

ومع كل هذه الآثار الخطيرة التي يجلبها استعمال المرأة لكريمات تبيض البشرة، لا أجد بينها سبباً واحد يقنعني بأن أقوم بالمخاطرة بصحتي النفسية والجسدية كإمرأة حتى أزيد من ثراء الشركات المُصنِعة لهذه المنتجات ولأُقنِع المجتمع بأن إنسانيتي تكتمل عندما تصبح بشرتي بيضاء ناصعة. فالشخص الذي يستخدم العنصرية لزيادة أرباحه والمجتمع الذي يحكم على قدرات المرأة وشخصها من درجة لون بشرتها، يستحقان أن نقوم بمحاربتهما لا أن نقوم بتعريض حياتنا للخطر من أجل أن ننال رضاهما.