نساء غزيات يحولن المحن إلى منح

تحرير آلاء وليد أبو سلطان

أن تكوني غزية فهذا يعني الكثير، فالمرأة في قطاع غزة تواجه كغيرها من النساء حول العالم الكثير من التحديات والصعوبات في طريقها للوصول إلى النجاح، إلا أن التحديات التي تواجهها  الغزيات قد لا تجدها في أي بقعة من هذا العالم بسبب الوضع السياسي والاجتماعي الخاص الذي يعيشه القطاع.

الكثير منكم ربما لا يعرف كيف تعيش النساء الغزيات؟ وما التحديات التي يواجهنها؟

لذا سأعرّفكم في هذا المقال على نماذج لنساء غزيات صنعن من “المحن منح” ورفعن شعار لا للمستحيل.

 

مقهى ” نون”

‫unnamed_2_ - نسخة

مقهى نون أول مقهى مخصص للنساء في قطاع غزة

هنا تبدو نون النسوة ظاهرة بعيدًا عن ذكورية المجتمع، فمقهى “نون”، هو الأول من نوعه في غزة، فهو يقدم خدماته “للنساء فقط” وكل العاملات فيه نساء. ولكن يتوقف نساطه هناك، فهو يجمع ما بين مقهى لتقديم المشروبات ومعرض لبيع مسلتزمات النساء.

افتتح في 17/9/2015 في حي النصر غرب مدينة  غزة وصاحبته هي نداء مهنا (35 عاما) الحاصلة على شهادة البكالوريوس في المحاسبة والإدارة.

وعلى الرغم من حالة الجدل التي صاحبت افتتاح المقهى والانتقادات إلا أن صاحبة المقهى نداء مهنا أكدت أن الفكرة ليس لعزل المرأة بل إيجاد مكان مخصص لها يلبي احتياجاتها ويعطيها الحرية والخصوصية في مجتمع يحسب على المرأة جميع تحركاتها.

فتيات يقدن الدراجات الهوائية في غزة

دراجة 3

فتيات يقدن دراجة هوائية في غزة

في بادرة هي الأولى من نوعها قادت أربع فتيات غزيات دراجات هوائية، وهو أمر من النادر رؤيته في غزة.

ما أن انتشرت الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي حتى انقسم الشارع الغزي بين مؤيد ومعارض للفكرة فيما اعتبر البعض أن قيادة المرأة للدراجة الهوائية تحديًا للعادات والتقاليد.

دراجة 2

آمنة سليمان (33)عامًا إحدى هؤلاء الفتيات، وهي مدرسة لغة إنكليزية تستغرب من أن الناس يفاجؤون من أي فعل للمرأة في الشارع باعتباره ضد التقاليد والعادات، وتعتبره  أمرًا مرفوضًا، لأن ما تقوم به لا يتنافى مع الدين ولا مع الأخلاق ولا مع أي مبدأ إنساني. 

أول حدادة

عائشة إبراهيم

عائشة إبراهيم، أول حدادة في قطاع غزة، تصوير سمر أبو العوف

من القليل أن تجد امرأة تعمل في مهنة الحدادة لاعتبارها مهنة ذكورية، إلا أن عائشة إبراهيم (35) عامًا تعمل مع زوجها في الحدادة لتوفير احتياجات أطفالهما.

انتقادات المجتمع لعملها في الحدادة وانقطاع التيار الكهربائي وندرة الغاز المستخدم هي مجموعة تحديات تطرق صلابة عائشة، إلا أن دعم زوجها لها وإرادتها وإصرارها على المضي في المهنة يجعلها أقوى من الحديد الذي تطرقه.

حدادة

أول سائقة حافلة

حافلة

سلوى سرور أثناء قيادة حافلة الروضة، تصوير سمر أبو العوف

سلوى سرور بدأت قيادة الحافلة منذ أربع سنوات، حيث تملك روضة للأطفال وتواجه مشاكل وشكاوي من أهالي الأطفال حول السائقين الذين كانوا يعملون عندها، لذا قررت قيادة حافلة الروضة بنفسها.

استغراب الناس وتحديقهم بها كان تحديًا يواجهها في بداية عملها إلا أن التجاهل كان سلاحها أمام تلك النظرات.

لكنها لا تنكر إيجابية بعض الرجال وتفهمهم لعملها حيث يسمحون لها بتعبئة خزان الوقود أولًا حتى لا تنتظر في محطات تعبئة الوقود كونها السيدة الوحيدة التي تقود حافلة في القطاع.

 

من غزة. هبة الشرفا تجتاز الصعوبات لتصبح أول معلمة مصابة بمتلازمة داون

تقرير مراسلة أخبارك من غزة آلاء وليد أبو سلطان 

IMG-20160401-WA0008

كنت في الخامسة والثلاثين من عمري عندما حملت بها، كان عندي رائف وهيفاء ووداد وأريج. وقتها كنا نسكن في إمارة رأس الخيمة إحدى إمارات أبو ظبي.  في 11/11/1989 وضعتُ حملي، كانت ولادة طبيعية. سألتني الطبيبة: نهى، هل لديك أطفال؟ أجبتُها: ولد وثلاث بنات.

كنت أظن أن سؤالها لي كان خوفًا من أن أتضايق كون المولودة أنثى في مجتمع يفضل المولود الذكر على الأنثى، لكنّ ظني لم يكن في محله. أين ابنتي؟ السؤال الذي وجهته للطبيبة حيث إنهم لم يحضروها لي بعد الولادة. في الحاضنة، أجابتني الطبيبة.

 كان تقرير الولادة بجانب السرير، أخذتُه وقرأتُ ما فيه، كان الوزن والحجم والنوع وكل المعلومات التي تخص مولودتي مدونة داخله، وفجأة سقطت عيني على كلمة وُضع تحتها ثلاثة خطوط حمراء. “داون سندروم” كانت المرة الأولى التي أسمع فيها هذه الكلمة ولم أفهم معناها. بدأ القلق يتسرب إلى داخلي.  عندما جاءت الطبيبة سألتُها ما معنى “داون سندروم”؟ وطلبتُ منها أن أرى ابنتي، أخذتني إلى الحاضنة وهناك أخبرتني طبيبة الأطفال أن كروموسومًا واحدًا في جينات ابنتي جعلها تصاب ب”داون سندروم” أي متلازمة داون وبدأت تشرح لي حالة ابنتي بالتفصيل. لا أخفيكم سرًا أنني صدمتُ وتضايقت وعندما عدتُ إلى غرفتي أجهشتُ في البكاء.  كانت المرة الأولى والأخيرة التي بكيتُ فيها بسبب وضع ابنتي، بعدها استجمعتُ قواي ودعوتُ الله أن يقدّرني وزوجي على رعايتها. اختلفتُ وزوجي على اسمها أرادها نعمة وأردتُها هبة. هبة الله وعطيته. انضمت هبة الشرفا إلى عائلتنا الصغيرة لأصبح أنا، نهى أبو شعبان، أمًا لطفلة مصابة بمتلازمة داون،  ومن هنا بدأت الحكاية.

رعاية خاصة

IMG-20160401-WA0032

نهى أبو شعبان، والدة هبة، عدسة أسيل الخالدي

[quote]

“التقبل الدرس الأول الذي يتوجب على الأهالي إجادته كي يستطيعوا التعامل مع أطفالهم”

[/quote]

أخذتُ وعدًا على نفسي أن أعطي هبة كل ما أستطيع من رعاية واهتمام وحب وتعليم ولا أبخل عليها بشيء، وكنتُ أنتظر منها أن تأخذ ما تستطيعه وتقدر عليه لا أكثر. كنا نسكن رأس الخيمة، ولم تكن هناك أية مراكز خاصة بمصابي متلازمة داون. توجهنا إلى مدينة الشارقة حيث جمعية الخدمات الإنسانية وقابلنا المختصين الذين قدموا لنا الإرشادات والنصائح حول كيفية التعامل مع حالة هبة. في البداية كان عليّ تنمية الأحاسيس لديها، فكنت أقف عند رأسها ثم أسير حتى تتابعني بنظرها، أصفق بجانب أذنها حتى أنمّي حاسة السمع عندها، أمسك بيديها وألمس باطن قدمها بهدف تنشيط حواسها. في عام 1995 انتقلنا للعيش في غزة، كان هناك مركز شمس المختص برعاية المصابين بمتلازمة داون وحصلتُ من خلال المركز على برنامج “البورتج” للتدخل المبكر، وهو برنامج لتثقيف الأمهات وإرشادهن حول كيفية التعامل مع أطفالهن وتدريبهم عن طريق بطاقات معينة.

خلال السنوات الخمس الأولى من عمر هبة كان وضعها في المستوى الطبيعي حالها كحال الأطفال الأصحاء من حيث الأكل والمشي والنطق واللعب. بعد استقرارنا في قطاع غزة تعرّفنا على جمعية الحق في الحياة. ومن هنا بدأت رحلة هبة داخل الجمعية التي قدمت لها الرعاية والاهتمام والتعليم.

نقلة نوعية

IMG-20160401-WA0027

هبة ووالدتها داخل المنزل، عدسة أسيل الخالدي

بعد أربع سنوات نقلت الجمعية مقرها إلى مكان آخر، وهنا واجهتنا صعوبة في وصول هبة إلى المقر الجديد نظرًا لبعد المسافة وصعوبة المواصلات. قررتُ إدخالها الروضة التي كانت ترتادها بنات عمها، كانت تقرأ كل شيء وتميز الحروف والأرقام وتحفظ الأناشيد. فقلتُ لماذا لا أدخل هبة مدرسة نظامية؟ لم يكن دخول هبة إلى مدرسة عادية أمرًا سهلاً، قصدنا أكثر من مدرسة وكان طلبنا يقابل بالرفض كون المدارس لا تقبل ذوي الإعاقة ممن تزيد أعمارهم عن 8 سنوات. كان عمر هبة حينها 10 سنوات، إلا أنني لم أستسلم ونجحتُ بعد محاولات في إدخالها مدرسة أم القرى بغزة القريبة من منزلنا.  درست هبة الصفوف الثلاث الأولى ونجحت بجدارة رغم أننا كنا نقضي ثلاث ساعات في كتابة سطرين فقط لكنني كنتُ أبذل معها كل جهدي. تمكنت هبة من اجتياز الصف الأول والثاني بتقدير جيد جدًا والثالث بتقدير جيد.

كانت هبة تشارك في الإذاعات المدرسية وتلقي القصائد، وكانت متفوقة في الرياضيات فكانت تجمع وتطرح حتى وصلت قدراتها على طرح وجمع مئات الآلاف، كانت هبة تجيد سرد ما يحدث معها فنجلس أنا وهي بالساعات نتحدث.

IMG_0438

هبة الشرفا، عدسة أسيل الخالدي

 كنتُ قد قرأت في كتيبات جلبناها من مراكز مختصة بشؤون المصابين بمتلازمة داون في بريطانيا أن طفلة مصابة بمتلازمة داون قد أصبحت مساعدة مدرسة فقلتُ لم لاتكون هبة هذا النموذج ومنذ ذلك الوقت وضعتُ هذا الهدف أمامي_ بعد وصولها للصف الرابع بدأت الأمور تصعب عليها، فعادت إلى جمعية الحق في الحياة وهي بعمر الرابعة عشر. تجربة الدراسة في المدرسة أضافت لهبة الكثير فزادت ثقتها بنفسها وهذا ما أثر على أدائها فيما بعد.

استكملت هبة مشوارها في جمعية الحق في الحياة مع مدرستها نوال بن سعيد والتي كان لها دور كبير في تعليم هبة وصقل موهبتها داخل الفصل.  وحتى أكون واقعية أكثر هناك فئة قليلة جدًا لا تتقبل أطفالها، بينما الخطأ الذي يقع فيه بعض الأهالي هو عدم اهتمامهم بأطفالهم من حيث النظافة الشخصية والاهتمام بمتابعة داخل المنزل وكتابة واجباتهم.  بعض الأهالي يعتقدون أن واجبهم فقط تجاه أبنائهم مقتصر على الطعام والشراب والنوم، التقبل والاهتمام والحب هذا كل ما تحتاجه هذه الفئة.

نوال بن سعيد مدرّسة هبة

IMG_0403

هبة أثناء التدريس داخل الفصل، عدسة أسيل الخالدي

 قابلنا معلمة هبة فقالت لنا: أثناء تدريسي لهبة داخل الفصل لاحظتُ أنها ذكية ولديها روح القيادة، ولديها ميول تعليمية، وكانت تمثل في المسرحيات، وعندما تلقي القصائد الشعرية تتفاعل مع الكلمات. كانت تقلدني أثناء شرح الدرس، وتساعد صديقاتها ذوات التحصيل المتدني حيث تجلس بجانبهن وتشرح لهن الدرس وتساعدهن في حل الواجبات ونطق الحروف بالشكل الصحيح. جاءتني هبة في يوم الأيام وقالت لي ” يا ريت يا آنطي نوال أصير مدرّسة مثلك وأشرح الدرس للطلاب والطالبات”.

بدأتُ أشركها في الشرح وتحضير الدروس ومتابعة الواجبات، ثم بدأت قدراتها تتطور إلى أن وصلت إلى مرحلة تستطيع أن تشرح الدرس لوحدها. وبذلك أصبحت هبة أول مدرّسة مصابة بمتلازمة داون في قطاع غزة وتمارس عملها في التدريس داخل الفصل.

هبة

IMG_0415

هبة الشرفا أثناء الحوار، عدسة أسيل الخالدي

اسمي هبة الشرفا، عمري 26 عام، واليوم أنا مساعدة الآنطي نوال، أساعدها في شرح الدروس للطلاب. بكون  مبسوطة كثير وأنا بشرح الدرس مع ماما نوال اللي تعبت عليّ وأنا صغيرة. طلابي بالصف كلهم شاطرين ومبسوطة منهم. بحس إني إمهم الحنونة. بنقرأ الدرس سوا واللي ما بفهم بقعد جنبه وبشرح له، واللي ما بعرف بستخدم القلم بستخدم الطينة ليمرّن إيديه، وبشجعهم بالهدايا والبلالين.

في البيت بحضّر الدرس أنا وماما، وفي الجمعية بساعد مس نوال في الشرح وفي وضع جدول الحصص ومتابعة الواجبات.

IMG-20160401-WA0057

هبة أثناء تحضير الدرس، عدسة أسيل الخالدي

ماما بتساعدني أختار ملابسي، أكثر شي بأحب ألبس الخواتم، وفي المناسبات بحب أحط مكياج، بس غالبًا ما بأحط غير الأساس.  بساعد ماما بشغل البيت، بأعرف أعمل شاي بس ماما هي اللي بتولع الغاز، برتب غرفتي وبجلي الصحون والكاسات بالمطبخ.

IMG-20160401-WA0040

هبة تغسل الصحون داخل مطبخ منزلها، عدسة أسيل الخالدي

بدي أحكيلكم سر، صح إني أنا كبيرة وعمري 26 لكن بحب أتفرج على طيور الجنة وحافظة كل الأغاني. لكن أكثر أغنية بحبها بنت صغيرة فلسطينية، وأغنية صدى صوتك اللي كل ما أغنيها  ببكي.

IMG-20160401-WA0036

بحب ألعب مع أولاد أختي ومعلقة على باب غرفتي ورقة إرشادات لهم.

IMG-20160401-WA0035

إرشادات على باب غرفة هبة لأولاد أختها، عدسة أسيل الخالدي

أكثر شي بنبسط فيه لما أقعد مع خواتي ونحكي ونطلع سوا. من المواقف اللي ضحكتني، لما عملوا معي لقاء على التلفزيون، أختي قلتلي بمزح ” هو كل المقابلات إلك لحالك، واحنا ما النا نصيب”. بتمنى أبقى بالجمعية وأضل أدرس الأطفال وبعدين نفسي أصير مديرة للجمعية.

ذكرى اختطاف الفلسطينية ليلى خالد للطائرة الأمريكية

بقلم شذى الشيخ

laylakhaled

المناضلة ليلى خالد رفقة جدّها في بيروت عام 1973. المصدر: فلسطين بالعربية

يطرح العديد من العرب حاليّاً أسئلة حول سبب توقف المقاومة الفلسطينية والجبهة الشعبية عن اختطاف الطائرات في زمننا هذا. ليس هنالك جوابٌ رسميٌ لهذه الأسئلة، ولكن، باعتقادي الشخصي أن المقاومة الفلسطينية أصبحت تدرك الآن، أن القيام بمثل هذه العمليات في يومنا هذا سيُضر بالقضية الفلسطينية أكثر من أن يفيدها.

الحقيقة أن العالم يعاني اليوم من معايير مزودجة، تضع الظالم والمظلوم في كفة واحدة؛ الكفة التي لا تفرق بين المقاومة والإرهاب.  فالعالم الذي يصنف مُقاومة الفلسطينيين تحت خانة الأعمال الإرهابية، هو نفسه الذي يقوم بتبرير كل الجرائم البشعة التي ارتكبتها والتي لازالت ترتكبها اسرائيل في فلسطين بشكل يومي. 

والسبب الرئيسي لتناولي لهذا الموضوع هو أن اليوم يصادف ذكرى اختطاف الفلسطينية ليلى خالد للطائرة الأمريكية TWA رقم 840 والتي كانت تعمل على خط  لوس آنجلوس/تل أبيب، لتصبح بذلك أول إمراة تقوم باختطاف طائرة في التاريخ.  

706x410q70brooks-khaled-subbedm-MAIN-PHOTO

جرافيتي ليلى خالد على الجدار العازل في فلسطين. المصدر: Daily Maverick

 بالرغم من أن السياق التاريخي الذي حدثت فيه عمليات اختطاف الطائرات في فترة الستينات والسبعينات كان متوتراً ومليئاً بالصراعات كما هو حالنا اليوم، إلا أن هناك اختلافات جذرية بين تلك الفترة وبين يومنا هذا؛ فالعالم حينها كان خارجاً من حروبٍ عالميةٍ ضروسة، وكان منشغلاً في إعادة بناء نفسه، مما يعني أنه كان يغض البصرعن معاناة الشعب الفلسطيني بشكلٍ مُتعمّد، وخاصة أن زرع دولة اسرائيل في قلب العالم العربي، كان يُمثِّلُ حلاً لمشكلةٍ كانت تواجه العالم الغربي آنذاك.

كما أن البشرية لم تكن تمتلك وقتها وسائل الإتصال الهائلة التي يمتلكها أصحاب القضايا الآن، والتي أصبحت تُمكنّهم من الترويج لقضاياهم وعدالتها. وفي الوقت نفسه، لم تكن الشعوب على درايةٍ بالظلم والجبروت الذي كان يُفرَضُ على الشعب الفلسطيني الأعزل من قبل الكيان الصهيوني المسلح. وبالتالي وفي ذلك السياق، كان لابد من القيام بعملياتٍ تُجبِرُ بضخامتها وقوتها الإعلام العالمي على تغطيتها والتحدث عنها وعن القضية التي نُفِّذت من أجلها هذه العمليات. وإذا نظرنا بشكلٍ تحليلي، فإننا سندرك بأنه لولا قيام المقاومة الفلسطينية بتلك العمليات تحت تلك الظروف، لما وضِعَت القضية الفلسطينية على خريطة الأجندات العالمية.

المقاومة وأساليبها يتطوران عبر الزمن، فاليوم وسائل التواصل الاجتماعي قادرةعلى وضع قضية في دائرة الضوء بدون الحاجة للتحرك سنتمتر واحد، وهو أمرٌ لم يكن متاح للمقاومة الفلسطينية في الستينات والسبعينات. ومثال على ذلك، حرب غزّة الأخيرة، حيث أدركت المقاومة الفلسطينية انحياز الرأي العالمي، لأول مرة، لغزة وفلسطين ضد اسرائيل، فاستغلّت الموقف لصالحها. النشطاء الفلسطينيون والعرب وغيرهم استغلوا وسائل الاتصال الاجتماعي لتسليط الضوء على الوضع الفلسطيني الصعب وعلى الضحايا الحقيقيين لحرب غزّة. الأمر الذي أدّى إلى تغيير وجهة نظر العالم للقضية الفلسطينية وللمحتل الصهيوني، وعمل على إعادة القضية الفلسطينية الى خريطة الأجندات العالمية للمرة الثانية في التاريخ الحديث.

من هي  ليلى خالد؟ 

995f17b4ae030ad8e43cacbeba44312c

ليلى خالد محاطة بالأطفال جزائريين في الجزائر عام 1972. المصدر: Dawn

 ولدت ليلى خالد في في حيفا، فلسطين وعاشت هناك حتى السن الرابعة، إلّا أنها هُجِّرت هي وعائلتها قسرياً – تاركين خلفهم والدها- من قريتها إلى لبنان في عام 1948. عندما بلغت ليلى عامها الخامس عشرة انضمت إلى حركة القوميين العرب. ومن ثم استقرت في الكويت لفترةٍ من الزمن وعملت هناك كمُدّرِسة حتى 1967، أي إلى أن قام جورج حبش بتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كجناحٍ لحركة القوميين العرب في فلسطين. وذلك بهدف التأسيس للمقاومة المسلحة من أجل استعادة الأرض. وقتها قررت ليلى ترك الكويت والانضمام للجبهة على أمل مواصلة النضال ضد العدو الصهيوني، وخصوصاً بعد ضياع الأراضي الفلسطينية في الضفة والقدس للصهاينة، إثر هزيمة الدول العربية في حرب الأيام الستة معهم.

29 آب 1969 وخطف الطائرات 

 لم يكن هدف ليلى من اختطاف الطائرة إلحاق الضرر بالمدنيين الذين كانوا يستقلّون تلك الطائرة. إنما كان هدفها، كعضو في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، هو لفت نظر العالم إلى القضية الفلسطينية. وهو ما حصل بالفعل، فقد أحدثت عملية الاختطاف هذه، التي غيّرت فيها ليلى وجهة الطائرة من تل أبيب إلى دمشق، أصداءً واسعة، تسببت بإعادة أنظار العالم إلى القضية الفلسطينية وإلى الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني من قبل الاحتلال الاسرائيلي.

أمّا على المستوى الشخصي، فهدف ليلى من اختطاف تلك الطائرة كان رؤية حيفا، وهي المدينة التي هُجِّرت منها ليلى وعائلتها قسرياً من قبل الإحتلال الإسرائيلي عندما كانت تبلغ من العمر أربعة سنوات.

وعن شعور ليلى عندما بدأت الطائرة بالتحليق فوق فلسطين، تقول شادية أبو غزالة -وهو الاسم الحركي لليلى خالد :

[quote]” لحظتها رأيت وجه أبي المتوفى مبتسماً،  وكأنه يقول لي الله معك ويحميك. إنك تحققين حُلماً لم أستطع أن أشهده حيّاً. وتذكرت حينها كيف أن أبي مات دون أن يرى والدته التي بقيت في فلسطين، وذلك على الرغم من أنه في عام 1964 انتظر ثلاثة أيام بلياليها على بوابة مندلبوم في القدس ليلتقيها.”[/quote]

dc6777f738d9276ffa276e3c4b9e1a80

الفلسطينية ليلى خالد عضو في جبهة الشعبية لتحرير فلسطين. المصدر: Free Minds

حاولت ليلى ورفيقها النيكاراغوي باتريك أرغويلو فيما بعد اختطاف طائرة “العال” الاسرائيلية، ضمن عملية خطف متزامن لأربع طيارات كانت قد خططت لها الجبهة الشعبية، بهدف استخدامها كورقة ضغط للإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين  في سجون الاحتلال. وقامت ليلى بالتزوّد بجواز سفر هندوراسي وبإجراء عمليات تجميلٍ لوجهها، بهدف تغيير ملامحها، وذلك بعد أن أصبحت معروفة لدى جميع الأجهزة الأمنية حول العالم. إلّا أن هذه العملية فشلت وذلك بسبب تخلّف إحدى رفقائها، واستشهاد رفيقها الآخر أرغويلو الذي تم اغتياله من قبل الإسرائيليين.

اعتقلت ليلى في لندن، إلّا أن رفاقها في الجبهة قاموا باختطاف طائرةٍ أُخرى بهدف الضغط على السلطات الإنجليزية للإفراج عنها. وبالفعل أُفرج عن ليلى بعد مرور 28 يوماً فقط على إعتقالها.

Leila_Khaled_in_Damascus

ليلى خالد في دمشق، يعد ان اطلقت السلطات البريطانية سراحها. المصدر: Syrian History

تقول ليلى في موضوع النضال والإرهاب:

[quote]“الإرهاب هو قدوم هؤلاء الناس وسرقتهم لأرضنا، وتهجيرنا قسرياً منها، ومن ثم إجبارهم لنا على العيش في الخيم. أمّا النضال فهو يعني استخدامنا لكل الوسائل المتاحة لمقاومة هذا الإرهاب ولايقاف جميع تبعاته على شعبنا.”[/quote]

صالون تيدكس: عندما تواجه إيمان الإحتلال والعادات والتقاليد بعدسة كاميرتها

بقلم شذى الشيخ

cimage_63e3e2933f-thumbc

إيمان محمد أول مصورة صحفية في قطاع غزّة. المصدر: صفحة إيمان محمد الرسمية على الفيسبوك

تتحدث إيمان محمد في صالون تيدكس عن الصعوبات والتحديات التي واجهتها داخل مجتمعها خلال رحلتها كأول مصورة صحفية في قطاع غزة. حيث تقول إيمان بأن المجتمع الغزاوي اعتبر رغبتها بالعمل في هذا المجال، الذي يُعرف في القطاع بانه حكرٌ على الرجال فقط ، بمثابة إهانة له ووصمة عار لها ولعائلتها.

إلّا أن شجاعة إيمان وإصرارها، جعلاها تواصل مشوارها في عالم التصوير الصحفي. غير آبهةٍ بنظرة المجتمع الذي تعيش فيه لها ولشغفها. ولكن إيمان لم تكن تعلم بأن المجتمعات الذكورية لا تكتفي فقط بإطلاق رصاص أحكامها على المرأة الناجحة والمتمردة، بل قد يصل بها الأمر إلى منع المرأة من مزاولة المهنة التي تحلم بها حتى و أن وصل الأمر الى تهديد حياتها أيضاً.

_47289989_elsew_doves_eman766

منزل العامل الفلسطيني محمد خضير والذي سوّتها العميلات الميدانية في القطاع بالأرض ولم يبقى منه سوى الحمام الذي كان يربيه محمد والجاكوزي. المصدر: BBC  تصوير: إيمان محمد

فقد حدث بأن قام ثلاث من زملائها الذكور في العمل، بالذهاب معها إلى إحدى المواقع التي كانت تُقصف من قبل قوات الكيان الصهيوني في الحرب الأخيرة على غزّة، وذلك بهدف توثيق هذه الضربات. إلّا أن زملائها قاموا بتركها في موقع القصف، وركبوا الجيب وهربوا وهم يلّوحون لها ويضحكون عليها.

تُعلّق إيمان على تلك الحادثة بقولها بأن هذه الحادثة التي وضُعت فيها حياتها في خطر وتحت تهديد حقيقي، لم تكن الاولى وإنما كانت بالتأكيد أكثر التهديدات التي تعرضت لها خطورةً.

051513_EmanMohammed_01.sJPG_950_2000_0_75_0_50_50

الجاكوزي الذي تبقى من منزل محمد، والذى حرص على ان يستخدمه في تحميم أولاده فيه كل يوم. بعدسة: إيمان محمد

ولكن وعلى الرغم من التمييز الجنسي الذي كانت ولازالت تتعرض له إيمان، إلّا أنها قررت بأن تستغل جنسها للدخول في الاماكن التي لا يستطيع الرجال الدخول لها في القطاع.  لذلك قامت بتكريس شغفها في تسليط الأضواء على قصص النساء داخل القطاع.  فبحسب إيمان محمد

[quote]”الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي والقيود التي يفرضها المجتمع على النساء كانا أهم عاملين في تلاشي القصص المظلمة والمشرقة لنساء القطاع.”[/quote]

إيمان ترى في عملها كمصور صحفية، طريقة لإظهار الصورة الكاملة لقصص الشعب الغزّواي غير المرئية. وبالتالي فإن عملها، بالتأكيد، لا يهدف إلى إخفاء الندب التي تتسب فيها الحرب الدائمة على القطاع.